635
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

فَأَجَبنَ طائِعاتٍ مُذعِناتٍ ، غَيرَ مُتَلَكِّئاتٍ ولا مُبطِئاتٍ . ولَولا إقرارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبوبِيَّةِ وإذعانُهُنَّ بِالطَّواعِيَةِ لَما جَعَلَهُنَّ مَوضِعا لِعَرشِهِ ، ولا مَسكَناً لِمَلائِكَتِهِ ، ولا مَصعَداً لِلكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالعَمَلِ الصّالِحِ مِن خَلقِهِ . جَعَلَ نُجومَها أعلاماً يَستَدِلُّ بِهَا الحَيرانُ في مُختَلِفِ فِجاجِ ۱ الأَقطارِ . لَم يَمنَع ضَوءَ نورِهَا ادلِهمامُ سُجُفِ اللَّيلِ المُظلِمِ . ولَا استَطاعَت جَلابيبُ سَوادِ الحَنادِسِ أن تَرُدَّ ما شاعَ فِي السَّمواتِ مِن تَلَألُؤِ نورِ القَمَرِ .
فَسُبحانَ مَن لا يَخفى عَلَيهِ سَوادُ غَسَقٍ داجٍ ولا لَيلٍ ساجٍ ۲
في بِقاعِ الأَرَضينَ المُتَطَأطِئاتِ ، ولا في يَفاعِ ۳ السُّفعِ ۴ المُتَجاوِراتِ . وما يَتَجَلجَلُ بِهِ الرَّعدُ في اُفُقِ السَّماءِ ، وما تَلاشَت عَنهُ بُروقُ الغَمامِ ، وما تَسقُطُ مِن وَرَقَةٍ تُزيلُها عَن مَسقَطِها عَواصِفُ الأَنواءِ وَانهِطالُ السَّماءِ ، ويَعلَمُ مَسقَطَ القَطرَةِ ومَقَرَّها ، ومَسحَبَ الذَّرَّةِ ومَجَرَّها ، وما يَكفِي البَعوضَةَ مِن قوتِها ، وما تَحمِلُ الاُنثى في بَطنِها .
الحَمدُ للّهِِ الكائِنِ قَبلَ أن يَكونَ كُرسِيٌّ أو عَرشٌ ، أو سَماءٌ أو أرضٌ أو جانٌّ أو إنسٌ ، لا يُدرَكُ بِوَهمٍ ، ولا يُقَدَّرُ بِفَهمٍ . ولا يَشغَلُهُ سائِلٌ ، ولا يَنقُصُهُ نائِلٌ ، ولا يَنظُرُ بِعَينٍ ، ولا يُحَدُّ بِأَينٍ . ولا يُوصَفُ بِالأَزواجِ ، ولا يُخلَقُ بِعِلاجٍ . ولا يُدرَكُ بِالحَواسِّ . ولا يُقاسُ بِالنّاسِ . الَّذي كَلَّمَ موسى تَكليماً ، وأراهُ مِن آياتِهِ عَظيماً . بِلا جَوارِحِ ولا أدَواتٍ ، ولا نُطقٍ ولا لَهَواتٍ .
بَل إن كُنتَ صادِقاً أيُّهَا المُتَكَلِّفُ لِوَصفِ رَبِّكَ فَصِف جَبرائيلَ وميكائيلَ وجُنودَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبينَ في حُجُراتِ القُدُسِ مُرجَحِنّينَ ۵ ، مُتَوَلِّهَةً عُقولُهُم أن يَحُدّوا أحسَنَ

1.الفِجَاج : جمع فجّ ؛ وهو الطريق الواسع (النهاية : ج۳ ص۴۱۲) .

2.ليلٌ ساجٍ : أي يغطّي بظلامه وسكونه (النهاية : ج۲ ص۳۴۴).

3.اليَفاع : المشرف من الأرض والجبل ، وكلّ شيء مرتفع فهو يفاع (لسان العرب : ج۸ ص۴۱۴).

4.السُّفْع : جمع سفعة ؛ نوع من السواد ليس بالكثير ، وقيل : هو سواد مع لون آخر (النهاية : ج۲ ص۳۷۴) والمراد بها الجبال كما تظهر للناظر إليها من بعيد .

5.ارجَحنَّ الشيءُ : إذا مالَ من ثِقلَه وتحرَّك (النهاية : ج۲ ص۱۹۸) .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
634

الفصل العاشر: آخر خطبة خطبها الإمام

۵۲۶.نهج البلاغة :رُوِي عَن نَوفِ البِكالِيِّ قالَ : خَطَبَنا بِهذِهِ الخُطبَةِ أميرُ المُؤمِنينَ عَلِيٌّ عليه السلام بِالكوفَةِ وهُوَ قائِمٌ عَلى حِجارَةٍ نَصَبَها لَهُ جَعدَةُ بنُ هُبَيرَةَ المَخزومِيُّ ، وعَلَيهِ مِدرَعَةٌ مِن صوفٍ وحَمائِلُ سَيفِهِ ليفٌ ، وفي رِجلَيهِ نَعلانِ مِن ليفٍ ، وكَأَنَّ جَبينَهُ ثَفِنَةُ بَعيرٍ . فَقالَ عليه السلام :
الحَمدُ للّهِِ الَّذي إلَيهِ مَصائِرُ الخَلقِ ، وعَواقِبُ الأَمرِ . نَحمَدُهُ عَلى عَظيمِ إحسانِهِ ونَيِّرِ بُرهانِهِ ، ونَوامي فَضلِهِ وَامتِنانِهِ ، حَمداً يَكونُ لِحَقِّهِ قَضاءً ، ولِشُكرِهِ أداءً ، وإلى ثَوابِهِ مُقَرِّبا ، ولِحُسنِ مَزيدِهِ موجِباً . ونَستَعينُ بِهِ استِعانَةَ راجٍ لِفَضلِهِ ، مُؤَمِّلٍ لِنَفعِهِ ، واثِقٍ بِدَفعِهِ ، مُعتَرِفٍ لَهُ بِالطَّولِ ، مُذعِنٍ لَهُ بِالعَمَلِ وَالقَولِ . ونُؤمِنُ بِهِ إيمانَ مَن رَجاهُ موقِناً ، وأنابَ إلَيهِ مُؤمِناً ، وخَنَعَ لَهُ مُذعِناً ، وأخلَصَ لَهُ مُوَحِّداً ، وعَظَّمَهُ مُمَجِّداً ، ولاذَ بِهِ راغِباً مُجتَهِداً .
لَم يُولَد سُبحانَهُ فَيَكونَ فِي العِزِّ مُشارَكاً ، ولَم يَلِد فَيَكونَ مَوروثاً هالِكاً . ولَم يَتَقَدَّمهُ وَقتٌ ولا زَمانٌ . ولَم يَتَعاوَرهُ زِيادَةٌ ولا نُقصانٌ ، بَل ظَهَرَ لِلعقُولِ بِما أرانا مِن عَلاماتِ التَّدبيرِ المُتقَنِ وَالقَضاءِ المُبرَمِ .
فَمِن شَواهِدِ خَلقِهِ خَلقُ السَّمواتِ مُوَطَّداتٍ بِلا عَمَدٍ ، قائِماتٍ بِلا سَنَدٍ . دَعاهُنَّ

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 131479
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي