99
منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام

بمشروع محدّد لمستقبل الدعوة ؟ وما الذي أملى عليه السكوت عن مستقبل الاُمّة ؟ ثمّ ما هي طبيعة الفكر الذي يمكن أن ينبثق منه موقف مثل هذا ، ويُفرِز لدى القائد مثل هذه السلبيّة ؟
يمكن تأسيس هذه السلبيّة وتفسيرها كموقف نبوي مفترض ، على ضوء فرضيّتين مسبقتين يستوطنان ذهن القائد ويستحوذان عليه . والآن لنستعرض المسبقتين الذهنيّتين المفترضتين ، كي نتبيّن قدر منطقيّتهما ، ومدى انسجامهما مع المعايير العقلانيّة :

1 . الإحساس بالأمن وانتفاء الخطر

بمعنى أنّ القائد لا يشعر بوجود أيّ خطر يدهم الاُمّة ، وانتفاء أيّ تيّار يكون بمقدوره أن يُزلزل إيمان الناس ويؤثّر على قناعاتها ، ومن ثَمّ فإنّ هذه الاُمّة التي توشك أن ترث الرسالة الإسلاميّة ، ستنجح في إيجاد مشروع لإدارة المجتمع ، وضمان ديمومة الرسالة .
والسؤال : هل يصحّ مثل هذا التصوّر ؟
إنّ الوقائع الحقيقيّة لمجتمع الصدر الأوّل تُسفر بوضوح عن عدم صواب هذا التصوّر ، وأنّ هناك أخطاراً جذريّة جادّة كانت تتهدّد المجتمع الإسلامي آنئذٍ ، وتوشك أن تعصف بكيانه ، وهي :

أ ـ الفراغ القيادي

لم يكن قد مرّ وقت طويل على تأسيس الأبعاد الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة للمجتمع الذي أسّسه النبيّ صلى الله عليه و آله ، ومن ثَمّ كان النبيّ القائد يمسك بنفسه أزمّة الثقافة والسياسة والقضاء في هذا المجتمع .


منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
98

والسؤال هو : مادامت الحياة ستنتهي بهذا القائد الربّاني الفذّ بعد سنوات الدعوة والجهاد إلى الموت ، ومادام النبيّ سيرحل صوب الرفيق الأعلى ملبّياً نداء ربّه ، فما الذي دبّره لمستقبل هذا الدين الباقي على مدى الزمان ؟ وماذا فعل لتأمين مستقبل دعوته وضمان ديمومة رسالته ؟ هل حدّد خياراً خاصّاً للمستقبل أم إنّه لم يفكّر بذلك قط ، وترك الأمر برمّته إلى الاُمّة ؟
كثرت كتابات المسلمين علماء ومحدّثين ومتكلّمين عن هذا الموضوع ، وانتهوا إلى نظريّات متعدّدة . وما يُلحظ أنّ هذا الاتّجاه التنظيري سعى إلى تثبيت وقائع التاريخ الإسلامي وتحويلها إلى معيار أشادوا على أساسه اُصولاً ومرتكزات .
لكن أين تكمن الحقيقة ؟ ! يقضي التدبّر العميق في الموضوع ، ودراسة حياة رسول اللّه صلى الله عليه و آله بشمول ، إلى أنّ الموقف النبوي من مستقبل الرسالة لا يخرج عن أحد احتمالات ثلاث ، هي :
1 . إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله أغضى عن مستقبل الدعوة ، وأهمل الأمر تماماً من دون أن ينطق بشيء للاُمّة .
2 . إنّه صلى الله عليه و آله عهد بمستقبل الرسالة إلى الاُمّة ، وأمر جيل الصحابة أن ينهض بمهمّة تدبير أمر الدعوة من بعده .
3 . إنّه صلى الله عليه و آله ارتكز إلى مبدأ النصّ الصريح في تدبير المستقبل ، والتخطيط لشؤون الرسالة ، ومن ثمّ أعلن صراحة عن الشخص الذي يتبوّأ مسؤوليّة هداية الاُمّة من بعده ، ويضطلع بدور قيادة المجتمع الإسلامي .
لندرس الآن هذه الفرضيّات الثلاث ونتناولها من خلال البحث والتحليل :

الفرضيّة الاُولى : السكوت إزاء المستقبل

تواجه هذه الفرضيّة فيضاً من الأسئلة ، منها : ما الذي دعا النبيّ صلى الله عليه و آله إلى عدم التفكير

  • نام منبع :
    منتخب موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام
    المساعدون :
    غلامعلي، مهدي
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دار الحديث
    مکان النشر :
    قم
    تاریخ النشر :
    1388
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 129804
الصفحه من 987
طباعه  ارسل الي