الحياة وأحبّاها ، فأوحى اللّه تعالى إليهما : أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب حين آخيت بينه وبين محمّدٍ فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه ، وكان ۱ جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ينادي ويقول : بخٍّ بخٍّ مَن مثلك يا ابن أبي طالب ؟ يباهي اللّه بك الملائكة ، فأنزل ۲ اللّه عزّوجلّ : «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوف بِالْعِبَادِ»۳ .
وفي تلك الليلة أنشأ عليّ كرّم اللّه وجهه يقول ۴ :
وقيتُ بنفسي خيرَ من وطئ الثرى وأكرم خلقٍ طاف بالبيت والحجر
وبِتُّ اُراعي منهُمُ ما يسوؤني وقد صَبَرت نفسي على القتل والأسر
وباتَ رسول اللّهِ في الغار آمنا ومازال في حفظ الإله وفي السرّ۵
فهذا ممّا يشهد له بقوّة جنانه ، وثبات أركانه ، وتبريزه على نظرائه ۶ وأقرانه ، من
أبطال الحرب وشجعانه .
ومن كلام بعضهم : واعجباه ! هذا فداه بنفسه من الكفّار ، وهذا ساواه بنفسه في الغار ، وهذا آنسه في مسيره ، وهذا بات على سريره ، وهذا أنفق ماله عليه ، وهذا بذل مهجته بين يديه ، وكلّ ۷ منهما سعيه مشكور ، وفضله مشهور ، وهو على صنيعه مثاب ومأجور ۸ .
1.في (د) : فكان .
2.في (ب) : وأنزل .
3.البقرة : ۲۰۷ . وراجع المصادر السابقة .
4.قال ابن عبّاس : أنشدني أمير المؤمنين شعرا قاله في تلك الليلة ، ثمّ ذكر الأبيات . (راجع الغدير : ۲ / ۴۸ ، و : ۸ / ۴۱ ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : ۴۰ ، بحار الأنوار : ۱۹ / ۲۸ و ۳۹ و ۶۴ . تاريخ اليعقوبي : ۲ / ۳۳ ، الطّرائف لابن طاووس : ۴۰۷ ، الشافي للسيّد المرتضى : ۴ / ۲۵ ، دلائل الصدق للشيخ المظفر : ۲ / ۴۰۴ ، اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشّي :۱ / ۱۳۰ ، شواهد التنزيل : ۱ / ۱۳۱ تحقيق المحمودي ، وأعيان الشيعة : ۱ / ۳۳۷ بتفاوتٍ بسيط ، السيرة الحلبية بهامش السيرة النبوية : ۲ / ۲۷ ، كنز الفوائد : ۱ / ۵۵ .
وقيل إنّ الشعر ورد هكذا :
وقيتُ بنفسي خير من وطئ الثرى] الحصى ] ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إلهٍ خاف أن يمكروا به فنجّاه ذو الطول الإله من المكر وبات رسول اللّه في الغار آمنا موقّى وفي حفظ الإله وفي الستر] ستر ] وبتّ اُراعيهم وما يبيتونني] يثبتونني ] [ ولم يتهمونني ] وقد وطئت] وطَنت [ نفسي على القتل والأسر
هكذا وردت في المناقب للخوارزمي : ۱۲۷ فصل ۱۲ ح ۱۴۱ ، المستدرك : ۳ / ۴ ، فرائد السمطين : ۱ / ۳۳۰ باب ۶۰ ح ۲۵۶ . ووردت بألفاظ اُخرى قريبة جدا من هذه الألفاظ المشار إليها سابقا عن الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام . (انظر ينابيع المودة : ۹۲ ، الحاكم : ۳ / ۴ وكذلك قيلت أشعار اُخرى من قِبل الشعراء كابن علوية في قوله :
أمّن شرى للّه مهجة نفسه دون النبيّ عليه ذا تكلان هل جاد غير أخيه ثمّ بنفسه فوق الفراش يغطّ كالنعسان
وقول العوني والصاحب بن عبّاد والحميري كما ورد في المناقب لابن شهرآشوب : ۲ / ۶۰ ط ايران ، وابن الطوطي والزاهي وابن دريد الأسدي ودعبل الخزاعي ومهيار الديلمي والعبدي والمرتضى وابن حمّاد وخطيب خوارزم . انظر المناقب أيضا : ۱ / ۳۳۹ ط النجف الاشرف .
5.في (د) : الستر .
6.في (أ): نظائره .
7.في (ب) : فكلّ .
8.لا نريد التعليق على هذا الكلام الّذي ينقله ابن الصبّاغ عن الغزالي «ومن كلام بعضهم . . .الخ» ولكن نسأل القائل ما وجه المقارنة هنا بين المساواة في الغار والاُنسة في المسير وبين الفداء بنفسه والّذي نزل بحقّه «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوف بِالْعِبَادِ » والّتي أطبق المؤرّخون على أنها نزلت في عليّ عليه السلام ، وسبق وأن دللنا على ذلك بالمصادر الّتي ذكرناها سابقا كشواهد التنزيل للحاكم الحسكاني : ۱ / ۱۲۳ ح ۱۳۳ وما بعده ، والثعلبي في الكشف والبيان : ۱ / ۱۱۷ ، والرازي في تفسيره : ۲ / ۱۵۲ ، وغيرهم كثير .
إذا أوّل من شرى نفسه للّه عزّوجلّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقد ذكر أبو جعفر الإسكافي على ما رواه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة : ۱ / ۷۸۹ ط الحديثه ببيروت قال : وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في عليّ بن أبي طالب : «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ » وأنّ الآية الثانية هي في ابن ملجم وهي قوله تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ » فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاث مائة ألف فلم يقبل ، فبذل أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك . فلاحظ بعض مخازي سمرة في الشرح المختار المذكور : ۷۹۲ ، فإذا كانت المقارنة من هذا الباب فلا عتب ولا استدلال . هذا أوّلاً .
وثانيا : يقول صاحب كتاب مطالب السؤول نقلاً عن الإحقاق : ۳ / ۴۵ بأنه عليه السلام بات في المضطجع والمشركون مجمعون على أخذه وقتله ، ولم يضطرب لذلك قلبه ولا اكترث بهم . . . وأقام بمكة وحده بينهم ثلاث ليالٍ بأيامها يردّ الودائع . . . ثمّ خرج وحده من مكّة مع شدّة عداوتهم . فلو لم يكن اللّه تعالى قد خصّ قلبه بقوّة وجنانه بثبات ونفسه بشهامة لاضطرب في هذا المقام . والنبيّ موسى عليه السلام مع درجة النبوّة لكن لمّا أمره بإلقاء عصاه فألقاها فلمّا صارت حيّة خاف واضطرب وولّى مدبرا كما قال تعالى : «أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ » القصص : ۳۱ . فلم يمكنه أن يخالف الأمر ، وكان عليه كساء فلفّ طرف الكساء على يده ليأخذها فقال : مالك يا موسى ؟ أرأيت لو أذن اللّه تعالى لها في أذاك أرادّ عنك كساءك ؟ فقال : لا ، ولكنّي ضعيف ومن ضعفٍ خُلقت ، فالنفس البشرية هذا طبعها .
وكذلك اُمّ موسى عليه السلام لولا أن ربط اللّه على قلبها فلم تنطق مع اضطراب القلب . فلولا أنّ اللّه تعالى منح عليا عليه السلام قلبا متصفا بالقوّة الثابتة لكان مع امتثال أمر النبيّ صلى الله عليه و آله وأمنه من تطرّق الأذى إليه لقول النبيّ صلى الله عليه و آله يضطرب بالنفس البشريّة ، وهذا لما حدث لغيره «إِذْ يَقُولُ لِصَـحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا » التوبة : ۴۰ . فانظر المحاججة الّتي أقامها المأمون على فقهاء عصره بقصّة ليلة المبيت في الإحقاق : ۳ / ۱۸۹ وغيره من الكتب الّتي أشرنا إليها سابقا .
وثالثا : روى في المناقب لابن شهرآشوب : ۲ / ۵۸ وغيره عن مجاهد قال : فخرت عائشة بأبيها ومكانه مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله في الغار ، فقال عبداللّه بن شدّاد بن الهاد : فأين أنتِ من عليّ بن أبي طالب حيث نام في مكانه ، ويرى أ نّه يُقتل ؟ فسكتت ولم تحر جوابا . وشتّان بين قوله «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ » وبين قوله «لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا » وكان النبيّ معه يقوّي قلبه ، ولم يكن مع عليّ ، وهو لم يصبه وجع وعليّ يرمى بالحجارة ، وهو مختفٍ بالغار وعليّ ظاهر للكفار .
وانظر المسترشد في إمامة أمير المؤمنين : ۴۳۳ ، الخصائص لابن البطريق : ۹۸ ، كشف اليقين : ۹۰ ، بحار الأنوار : ۳۸ / ۲۸۹ ، و : ۳۶ / ۴۸ و ۴۹ ، إعلام الورى : ۱۹۱ ، الطرائف : ۳۳ ، العمدة : ۳۴۰ ، دلائل الصدق : ۲ / ۵۳۸ ، الشافي للسيّد المرتضى : ۴ / ۲۵ ، الغدير : ۲ / ۴۸ ، تذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : ۴۰ ، تاريخ اليعقوبي : ۲ / ۳۳ ، الطرائف لابن طاووس : ۴۰۷ ، اختيار معرفة الرجال : ۱ / ۱۳۰ ، كفاية الطالب : ۱۱۵ ينابيع المودّة : ۱۰۵ .
وهاهو شعر الصاحب بن عبّاد الّذي شرحه القاضي جعفر بن أحمد البهلولي اليماني : ۸۵ ط بغداد :
قالت : فَمن بات من فوق الفراش فدىً فَقُلْتُ : أثبَتُ خَلْقِ اللّه في الوَهَلِ
ورابعا : قال الإسترآبادي في هامش رجال الكشّي : ۱ / ۱۳۱ : إنّ همّه و حزنه وفزعه وانزعاجه وقلقه حين إذ هو مع النبيّ صلى الله عليه و آله المأمور من تلقاء ربه الحفيظ الرقيب بالخروج والهجرة والموعود من السماء على لسان روح القدس الأمين بالتأييد والنصرة ممّا يكشف عن ضعف يقينه وركاكة إيمانه جدا .
وخامسا : انّ إنزال اللّه السكينة عليه صلى الله عليه و آله فقط لا على صاحبه ولا عليهما جميعا مع كون الصديق أحوج إلى السكينة ، حينئذٍ فقلقه وحزنه يدلّ على أنه لم يكن أهلاً لذلك ، وإرجاع الضمير في «عليه» على أبي بكر كما يقول البيضاوي هو فرق لاتفاق المفسّرين ، وذلك لأن الضمير في «أيّده» و «عليه» في الجملتين المعطوفة والمعطوفة عليها يعودان إلى مفاد واحد . (انظر للمزيد كتاب الاحتجاج : ۲ / ۴۹۹ ـ ۵۰۱ ، وكنز الفوائد للكراجي : ۲ / ۴۸ ، والكشكول للبحراني : ۲ / ۵) .