67
الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)

ـ وهي الأعداء الخارجيّة ـ أصغر ، ومع النفس ـ وهي العدوّ الداخلي ـ أكبر .
ووجه كون هذا الجهاد أعظمَ لكون العدوّ داخلاً في المملكة الإنسانيّة ، ولأنّ مكائدها كثيرة ومع كثرتها دقيقة خفيّة ، ولأنّ أكثر جنودها من القوى والأعضاء مشتركة بينها وبين العقل في الاستعمال ، ولأنّ الشرط في مجاهدتها ومحاربتها أن لا يؤدّى إلى هلاكها وموتها بالكلّيّة ، بل أن تصير مسخّرةً مطيعةً لأمر اللّه ،فسلّم كما نسب إليه صلى الله عليه و آله : « أسلم شيطاني على يدي وأعانني اللّه عليه » ۱ . وكيفيّة هذه المجاهدة مع النفس والهوى وجنودها بالعقل وجنوده .
قال عليه السلام : إنّ عندنا قوماً لهم محبّة . [ ص۱۱ ح۵ ]
أقول : أي بأصحاب العصمة والطهارة عليهم السلام ولا لهم العزيمة المعهودة لخلّص الشيعة من الرسوخ في المحبّة على نمط البرهان ، ومسلك الإيقان ، بحيث يسهل معها بذل المهج والأولاد ، والأحفاد في طريق المودّة والوداد لاُولي القربى وموالاتهم ، بحيث يقولون بهذا القول أي يعترفون به اعترافاً باللسان تقليداً وتعصّباً لا بحسب البصيرة ومسلك البرهان كالعوامّ من الشيعة ، فقال : «ليس اولئك ممّن عاتب اللّه » مفعول «عاتب» ضميرٌ يعود إلى الموصول ، أي اُولئك ليسوا ممّن كلّفهم اللّه بهذا العرفان ، أو عاتبهم بالقصور عن نيله لا معاقبون في القيامة بعدم بلوغهم إلى درك رتبة الموالاة وحقيقة المحبّة والوداد لهم عليهم السلام؛ لأنّها فرع المعرفة بحالهم وشأنهم ، وهي أمرٌ غامضٌ لابدّ فيها من فطرة صافية ، وذهن لطيف ، وطيب ، الولادة ، وطهارة النفس ، والبصيرة الملكوتيّة ، والفطرة القدّوسيّة ، وعقل كامل .
وإليه أشار بقوله العزيز من كتابه : « فَاعْتَبِرُواْ يَـأُوْلِى الْأَبْصَـرِ »۲« فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَـأُوْلِى الْأَلْبَـبِ »۳ وأمثالها .

1.المستدرك ، للحاكم النيسابوري ، ج۱ ، ص۲۲۹ ؛ تفسير الرازي ، ج۱ ، ص۸۲ ؛ عوالي اللئالي ، ج۴ ، ص۹۷ ، ح۱۳۶ ؛ بحار الأنوار ، ج۶۳ ، ص۳۲۹ .

2.الحشر (۵۹) : ۲ .

3.المائدة (۵) : ۱۰۰ .


الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)
66

والاستعلاء والغواية والإغواء كما فعله معاوية حسب ۱ باع آخرته بثمن بخس من دنياه . نعوذ باللّه من هذا العقل الخبيث المخبث الضالّ المضلّ ! واللّه يحقّ الحقّ ، ويهدي السبيل .

قال عليه السلام : يقول صديق . [ ص۱۱ ح۴ ]
أقول : سرّ صيرورة العقل صديقَ المرء والجهلِ عدوّه ؛ لأنّ بالعقل يكتسب الإنسان طريقَ الرضوان وعبادة الرحمن ، وبه تحصل الأصدقاء وتهتدى به إلى الخيرات ، وتجنب عن الشرور والآفات ، وبإشارته يفعل الطاعات والحسنات وترك المعاصي والسيّئات ، وبالجهل بعكس هذه الاُمور .
ثمّ الظاهر أنّ المراد بالعقل هاهنا العلم بقرينة ما يقابله من الجهل ، ثمّ البناء به بعكس هذه الاُمور كلّها ، ويقع أضدادها ، فيكتسب به الأعداء وينفر الأولياء وينكب عن الخير إلى الشرّ ويعصى الإله ، ولا معنى للصديق إلاّ ما كان منشأ لتلك الاُمور ولا العدوّ إلاّ ما كان مبدأ لأضدادها .
ومن هذا الباب ما روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام : « الجاهل عدوّ في نفسه فكيف يكون صديقاً لغيره » ۲ على وفاق ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله : « أعدى عداك نفسك التي بين جنبيك » ۳ .
لعلّ المراد بها النفس قبل استكمالها بالآداب الشرعيّة والعلوم الحقيقيّة ، فإنّ أكثر النفوس في أوائل الخلقة جاهلة مكدّرة بالأدناس الطبيعيّة وأرجاسها ، فيجب الاحتراز عن دواعيها وأغراضها الفاسدة ، والمجاهدة معها كما أشار إليه صلى الله عليه و آله بقوله عند مراجعته عن الغزوات : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » ۴ سمّي الجهاد مع الكفّار

1.كذا .

2.عيون الأنبياء ، لابن أبي أصبيعة ، ص۱۰۱ ، من الكلمات والحكم لأرسطوطاليس محكيّا عن الأمير المبشر بن فاتك ؛ شرح المازندراني ، ج۱ ، ص۷۷ ، من دون الإسناد إلى المعصوم عليه السلام .

3.تفسير الرازى ، ج۲۸ ، ص۸۳ ؛ رياض السالكين ، ج۲ ، ص۳۹۱ ؛ بحار الأنوار ، ج۷۰ ، ص۳۶ .

4.الكافي ، ج۵ ، ص۱۲ ، باب وجوه الجهاد ، ح۳ ؛ فقه الرضا عليه السلام ، ص۳۸۰ ؛ بحار الأنوار ، ج۱۹ ، ص۱۸۲ ، ح ۳۱ .

  • نام منبع :
    الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)
    المساعدون :
    الجليلي، نعمة الله؛ مهدي زاده، مسلم
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دارالحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1427 ق / 1385 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 73809
الصفحه من 476
طباعه  ارسل الي