73
الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)

والقدرة تحرّك العضو ، فيصدر الفعل من هذه المبادي المترتّبة . كلّ ذلك بإذن اللّه ومشيّته وقدرته .
هكذا جرت سنّة اللّه في أفعال عباده ، ومن أنكر هذه الوسائط وعزل الأسباب عن فعلها ، فقد أساء الأدب مع اللّه مسبِّبِ الأسباب ؛ حيث أراد رفْعَ ما وضعه اللّه ، وعَزْلَ ما نصبه .
فإذا تقرّر هذا ، فنقول : إنّ الخواطر الباعثة للإرادات على ضربين : أحدهما ما يدعو إلى الشرّ ، أي ما يضرّ في العاقبة . وثانيهما يدعو إلى الخير ، أي ما ينفع في أمر الآخرة ، فهما خاطران مختلفان ، فيفتقران إلى اسمين مختلفين ، فالخاطر المحمود يسمّى إلهاماً ، والمذموم وسواساً .
ثمّ إنّك قد علمت أنّ هذه الخواطر لمّا كانت حادثةً ، [ ف ] لابّد لها من سبب حادث ، ومهما اختلفت دلّت على أنّ أسبابها القريبة مختلفة سيّما الاختلاف بالذات ؛ ألا ترى أنّ استنارة حيطان البيت بنور النار ، وإظلامَ ۱ سقفه بالدخان ، فالسببان كالمسببّين مختلفان ، فكذلك سبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمّى ملكاً ، وسبب الداعي إلى الشرّ يسمّى شيطاناً ، واللطف الذي يتهيّأ به القلب لقبول إلهام الملك يسمّى توفيقاً ، والذي به يتهيّأ لقبول وسوسة الشيطان يسمّى إغواءً وخذلاناً ؛
فإنّ المعانيَ المختلفةَ تفتقر في التعبير عنها إلى أسامٍ مختلفة .
فالملك عبارة عن خلقٍ خلقه اللّه ، أمْرُه إفاضة الخير وإلهام الحقّ وإفادة العلم والوعد بالمعروف ، وقد خلقه وسخّره لذلك .
والشيطان عبارة عن خلقةٍ شأنه وأمره ضدّ ذلك ، وهو الإغواء والإيحاء بالغرور ، والوعد بالشرور ، والأمر بالمنكر ، والتخويف والإيعاد بالفقر عند الهمّ في الخير .
والوسوسة في مقابلة الإلهام ، والشيطان في مقابلة الملك ، والتوفيق في مقابلة الخذلان ، والقلب ـ مادام قلباً ـ متجاذب بين الشيطان والملك .

1.في المخطوطة : «أظلم».


الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)
72

« وَ لَـئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَـوَ تِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »۱ هذا قولهم « بِأَفْوَ هِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ »۲ ؛ إذ لو علموا ذلك لم يكونوا كفّاراً ، وإنّما قالوا ذلك تقليداً وسماعاً من الناس على العادة الرسميّة ، فلذا لا ينفعهم ذلك في الدنيا ولا في الآخرة .
وأمّا سبب الوسوسة ومنشأها ودفع الشبهة التي في أمر التأمّل في الإرادات وما يضاهيها [ ف ] يظهر بعد تمهيد مقدّمة هي أنّ الجوهر المجرّد المتعلّق بتربية البدن بلسان الشريعة هو القلب ، وبلسان الحكمة والكلام بالنفس الناطقة ، وهو في ذاته لمّا كان مجرّداً ، يكون الملكوت الأعلى يفعل فيما دونه ، وينفعل عمّا فوقه ، فيكون حينئذٍ بمنزلة المرآة نظراً إلى الصور المثاليّة لأنواع المخلوقات القائمة به ، أو بمثابة الأرض التي يتكوّن فيها أنواع النباتات لارتسام صورها فيه .
ومَداخل هذه الآثار المتجدّدة والصور المتعاقبة إمّا الحواسّ الظاهرة والباطنة ، وإمّا الأخلاق النفسانيّة كالشهوة والغضب وغيرهما ، فالاُولى من المبادي الإدراكيّة ، والثانية من المبادي العمليّة .
ثمّ تؤثّر هذه الأشياء في النفس أثراً مّا ، فبهذا الاعتبار يسمّى ذلك المجرّد بالقلب ؛ لكونه محّلاً للحوادث الإدراكيّة ، وموضوعا للأحوال النفسانيّة ، وهذه الأحوال هي أسباب وبواعثُ للأفعال الصادرة بالقدرة ، ويعبّر عنها بالتصوّر .
وبالجملة ، إنّه لا يزال في التغيير والانتقال والتأثّر عن آثار تلك الأسباب الداخلة والخارجة ، ويسمّى تلك الآثار بالخواطر ؛ لخطورها بالقلب بعد أن ۳
كان غافلاً عنها ، فالخواطر محرّكات وأسباب للأشواق ، وهي للقوى والقُدَر ، فتحصل الإرادة وهي محرّكة للأعضاء والجوارح ، وبها يظهر الأفاعيل في الخارج ، فمبدأ الفعل البشري هو الخاطر ، وهو محرّك الرغبة ، وهي تحرّك العزم والقصد والإرادة ، وهي تبعث القدرة ،

1.لقمان (۳۱) : ۲۵ .

2.المائدة (۵) : ۴۱ .

3.في المخطوطة : «وإن» بدل «بعد أن» .

  • نام منبع :
    الحاشية علی اصول الكافي (العاملي)
    المساعدون :
    الجليلي، نعمة الله؛ مهدي زاده، مسلم
    المجلدات :
    1
    الناشر :
    دارالحدیث للطباعة و النشر
    مکان النشر :
    قم المقدسة
    تاریخ النشر :
    1427 ق / 1385 ش
    الطبعة :
    الاولي
عدد المشاهدين : 73317
الصفحه من 476
طباعه  ارسل الي