203
الشّافي في شرح أصول الكافي ج1

«ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ» ۱ ) . فيه أيضا التشبيه ، أي هم مُعجَبون برأي أنفسهم ، ولا ينتفعون بما علموا من أنّ التمدّن والتعيّش لا يمكن إلّا بترك الإعجاب بالرأي ، ليحصل الاتّفاق على رئيس عاقل مطاع ، تجتمع به الكلمة ، ويرتفع به الشتات ، فيترك كلّ أحد رأي نفسه ، ويتبع رأيه في الحروب وغيرها ، بل من المجرّب أنّ السفيه المطاع أنظم للتمدّن من عاقل لا يطاع .
(وَقَالَ) في سورة البقرة :
( «وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ» وتتركونها من البرّ كالمنسيّات .
«وَأَنْتُمْ» يا بني إسرائيل «تَتْلُونَ الكِتَابَ» : التوراة وفيها الوعيد على مخالفة القول والعمل ، أو فيها بيان الحقّ ، فأنتم تعلمون الحقّ ، فلِمَ لا تعملون بما تأمرون به الناس من اتّباع الحقّ المعلوم ؟
«أَفَلا تَعْقِلُونَ»۲ ) أي أبعد تصدّركم لأمر الناس ونهيهم لا تعلمون ما في الكتاب الذي تتلونه ، فلا تعرفون قبح صنيعكم ، مع أنّه لا يصلح لهذا التصدّر إلّا العالم بما في الكتاب .
ويحتمل أن يُراد أبعد الأمر بالبرّ لا تعلمون أنّه برّ ، مع أنّه يشترط في الأمر بالمعروف العلم بأنّه معروف ، ولا يكفي الظنّ .
(يَا هِشَامُ ، ثُمَّ ذَمَّ اللّهُ الْكَثْرَةَ) . هذا من النوع الرابع ؛ استدلّ المخالفون على طريقتهم بأنّا الكثرة والجماعة ، وأنّكم قليلون لا يُعبأ بكم ، ولا بخلافكم ، فادّعوا الإجماع في كلّ ما يختصّ بهم . ۳
والمراد بذمّ الكثرة ، ذمّ الأكثر لا على الكثرة ، فإنّه ليس فعلاً اختياريّا لأحد ، بل على ما هم عليه من اتّباع الظنّ في أحكامهم في الشرع ، أو ذمّ اتّباع الأكثر ، فالكثرة إن لم تكن أمارة للبطلان ليست دلالة ولا أمارة على الحقّيّة .

1.الحشر (۵۹) : ۱۴ .

2.البقرة (۲) : ۴۴ .

3.اُنظر: المستصفى للغزالي ، ص ۱۴۲ ؛ والمنخول ، ص ۳۹۹ ؛ والمحصول للرازي ، ج ۴ ، ص ۱۹ .


الشّافي في شرح أصول الكافي ج1
202

«أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ» . شبّههم بالصمّ لأنّهم لا ينتفعون بالسماع ، فكأنّهم لم يسمعوا ، وكأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله لم يُسمِعهم ؛ لأنّه لم يورث كلامه لهم نفعا .
ويجيء تحقيق أنّ النبيّ غير قادر على هداية من أحبّ في «كتاب التوحيد» في أوّل «باب الهداية أنّها من اللّه » .
«وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ»۱ ) . شبّههم بالجَهَلة بكلّ نظريٍّ لانتفاء انتفاعهم بعلمهم بوجوب الاتّباع للحقّ المعلوم ، وترك الاستبداد بالرأي .
(وَقَالَ) في سورة الفرقان :
( «أَمْ تَحْسَبُ» : بل أتحسب «أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ» أي ليسوا صُمّا .
«أَوْ يَعْقِلُونَ» شيئا . وهذه كالسابقة مبنيّة على التشبيه وتسلية له صلى الله عليه و آله ؛ لأنّه صلى الله عليه و آله كان شديد الاهتمام بإيمانهم .
«إِنْ هُمْ إِلّا كَالْأَنْعَامِ» ؛ لانتفاء انتفاعهم بقرع الأدلّة الواضحة آذانَهم ولا بعلمهم .
«بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً»۲ ) من الأنعام ؛ لأنّهم لا يجتنبون ما علموا أنّ ضرره قويّ ، غالب على نفع ضدّه ، بخلاف الأنعام .
(وَقَالَ) في سورة الحشر :
( «لا يُقَاتِلُونَكُمْ» اليهود ، أو اليهود مع المنافقين «جَمِيعا» : مجتمعين .
«إِلَا فِى قُرىً مُحَصَّنَةٍ» بالخنادق ونحوها .
«أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ» لخوفهم من الخروج إلى المسلمين .
«بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ» . استئناف بياني ، أي هذا لشدّة خوف بعضهم من بعض ، بحيث لا يأمن الخروج معه .
«تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا» : مجتمعين في الرأي .
«وَقُلُوبُهُمْ شَتّى» : مفترقة لا يتّبع بعضهم رأي بعض .

1.يونس (۱۰) : ۴۲ .

2.الفرقان (۲۵) : ۴۴ .

  • نام منبع :
    الشّافي في شرح أصول الكافي ج1
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    دارالحدیث با همکاری سازمان اوقاف و امور خیریه
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1387
    نوبت چاپ :
    اول
تعداد بازدید : 152701
صفحه از 602
پرینت  ارسال به