قال : «يا سدير ، ما أكثره لمن لم ينسبه إلى العلم الذي اُخبرك به ، يا سدير ، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب اللّه «قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ»۱ ؟» قال : وأومى بيده إلى صدره فقال : «علم الكتاب كلّه واللّه عندنا» ثلاثا . ۲
ومثل هذين الخبرين في نفي علم الغيب عنهم عليهم السلام روايات مستفيضة، ۳ فنحن لانقول بأنّهم يعلمون الغيب ؛ لما عرفت من الاستفادة وأنّهم في مرتبة ذاتهم غير عالمين حتّى بذواتهم .
ونقول : إنّ عندهم علمَ ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، أو بحذف الغاية ، وبه استفاضت أخبار اُخرى ، ونقول فيهم كما قال عليه السلام : «إنّي لأعلم ما في السماوات وما في الأرض ، وما في الجنّة وما في النار ، وما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة» .
ثمّ قال : «أعلمه من كتاب اللّه ، انظر إليه هكذا» ثمّ بسط كفّيه ، ثمّ قال : «إنّ اللّه قال : «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانا لِكُلِّ شَيْءٍ»۴ » . ۵
فإن قلت : إذا كان الأمر هكذا ، فما معنى همّه بالجارية وعدم علمه بها؟
قلت : قد ذكرنا لذلك وجها مستطرفا وضربنا له مَثَلاً في كتابنا المسمّى ب«تأويل التنزيل» عند الكلام على آية «وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» وملخّصه :
أنّ الإمام عليه السلام بمعونة ما ورد عنهم لا يكنّ الجبل ما في أصله عنه ، ولا يستتر منه بستر ، ولا يواري منه جدار ؛ لخرق بصره السماوات ، فضلاً عن فجاج الأرضين ، لكنّه موقوف على أدنى عناية والتفات منه ، ومع ذلك ممّا له من سعة بصره يعلم يقينا أنّه لا ينظر عورات الناس وما يستقبح ذكره منهم ، بل يجعل من نفسه عن نفسه غشاوةً ، وهو
1.الرعد (۱۳) : ۴۳.
2.بصائر الدرجات ، ص ۲۳۲ ، ح ۳ ؛ الكافي ، ج ۱ ، ص ۲۵۷ ، باب نادر فيه ذكر الغيب ، ح ۳ ؛ بحارالأنوار ، ج ۲۶ ، ص ۱۶۹ ، ح ۳۸ .
3.انظر الكافي ، ج ۱ ، ص ۲۵۶ ، باب نادر فيه ذكر الغيب.
4.النحل (۱۶) : ۸۹ .
5.بصائر الدرجات ، ص ۱۴۷ ، ح ۲ ؛ بحارالأنوار ، ج ۲۶ ، ص ۱۰۹ ، ح ۷ .