عليه وآله صلوات المصلّين ـ وصار حرم الحسين عليه السلام أوسع من جميعها جمعا ، فصار خمسة فراسخ من كلّ جانب من القبر المقدّس ، كما وردت به الآثار ، ۱ وكلّ تلك السعة الوسيعة أقدس من جميع بقاع الأرض ، وقد عذّبت مكّة بسبب افتخارها بالخراب ، وعذّب ماء زمزم باستيلاء عين من الصبر عليه بسبب افتخاره على ماء الفرات ، فذلك الحرم المقدّس الأقدس قطعة من قطعات الجنّة والفردوس الأعلى نزلت إلى الدنيا لأجل دفنه عليه السلام فيها ، فامش فيها حافيا خاشعا خاضعا للمدفون فيها .
وعليك بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والتعظيم للّه عزّ وجلّ كثيرا والصلاة على محمّد وأهل بيته حتّى تصير إلى باب الحير.
فتذكّر أنّه عليه السلام صار باقيا في فنائه في اللّه باللّه ، ونعيما متنعِّما في شقائه ومشاقّه التي اُصيبت إليه ، وعزيزا في ذلّه ، وصابرا في بلائه الذي اُبتلي به ، وفقرا إلى اللّه في غناه الذي أغناه اللّه عزّ وجلّ بما أنعمه اُمّته من البقاء والنعيم والعزّ والصبر ؛ لأنّه بدؤه منه وعوده إليه ، وكان عليه السلام في جميع ذلك راضيا من اللّه بأشدّ الرِّضا من غير شائبة الكراهة ، ومسلّما له فيما ابتلاه وما أنعم عليه ، وذلك ما أشار به أمير المؤمنين عليه السلام في النفس الإلهيّة فقال عليه السلام : «لها خمس قوى وخاصّيّتان فهو لها بقاء في فناء ، ونعيم في شقاء ، وصبر في بلاء ، وفقر في غناء ، وعزّ في ذلّ ، وخاصّيّتها : الرضا والتسليم ، بدؤها من اللّه وعودها إليه» . ۲
وإنّما قال عليه السلام : «وفقر في غناء» ولم يقل : «غناء في فقر» لأنّ النعيم في الشقاء ينافي الفقر والاحتياج ؛ لأنّ النعيم في الشقاء هو الغنى الذي أغناها عمّا سوى اللّه ، فالغنيّ ليس بفقير ، فالفقر في الغنى هو الاحتياج إلى حفظه وعصمته لأن لايطغى في الغنى «أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى»۳ ، فمن لم يطغ في غنائه فبعونه وعصمته تعالى ، لا بالطبيعة الإنسانيّة .
1.الفقيه ، ج ۲ ، ص ۳۶۲ ، ح ۱۶۲۱ ؛ المزار للشيخ المفيد ، ص ۲۵ ، ح ۳ ؛ التهذيب ، ج ۶ ، ص ۷۱ ، ح ۱۳۲.
2.الصافي ، ج ۳ ، ص ۱۱۱ ذيل تفسير الآية ۲۹ من سورة الحجر ؛ مجمع البحرين ، ج ۴ ، ص ۱۱۵ (نفس) ؛ بحارالأنوار ، ج ۵۸ ، ص ۸۵ ؛ شرح أسماء الحسنى ، ج ۲ ، ص ۴۴.
3.العلق (۹۶) : ۷ .