بالجملة ، ففي كلّ شيء بحسبه جعل اللّه سبحانه له مقدارا معيّنا له ، وهو سبحانه عالم به قبل تكوينه له وتكوّنه ، ولأجل ذلك قال : «وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ* عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ» 1 .
ففي كلّ شيء بحسبه جعل له نارا حائلة ، وهواءا راكدا ، وماءا جامدا ، وأرضا سائلة ، كما ينبغي له ولا يصلح لغيره ، وكذلك تقدير العزيز العليم «مَا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ» في نفسك هل تجد لها علما أو قدرة بتلك المقادير ، «يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئا وَهُوَ حَسِيرٌ» 2 .
فتفكّر في شجرة واحدة في اُصولها ودوحتها وأغصانها وأوراقها وأثمارها ، وتفكّر في ثمرة من ثمارها تجد لها نواة في غاية الصلابة كالعظم بل أصل ، ولحما في نهاية النعامة كاللحم بل أنعم . وكم من نواةً لبّها أمرّ من الحنظل ، ولحمها أحلى من العسل .
فتفكّر في ألوانها وطعومها وروائحها وخواصّها وآثارها ، فتجد لون أوراقها أخضر ، ولون أزهارها أبيض وأحمر ، وربّما تجد ألوان أزهارها مختلفة ، مع أنّ ماءها وترابها وهواءها وحرّها وبردها من نوع واحد ، وربّما تجد في زهرة واحدة نقاطا مختلفة ، كلّ نقطة لها لون غير لون الاُخرى ، فلو كانت المقادير فيها متساوية لما اختلفت ، فتفكّر فيما ذكر أو لم يُذكر فتجد لكلّ جزء جزء مقدارا معلوما غير مقدار جزء آخر ، وإن لم تعلم مقدار كلّ واحد من تلك المقادير فتذكّر أنّ قوله عليه السلام : «إرادة الربّ في مقادير اُموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم» كلام لا يحتمل معناه إلّا ملكٌ مقرّب أو نبيٌّ مرسل أو مؤمنٌ امتحن اللّه قلبه للإيمان ، وهو سرّ جميع النسب التي نسبت إليهم عليهم السلام في الفقرات الماضية ، وقد صرّح بذلك الكتاب الذي لا ريب فيه هدىً للمتّقين حيث قال سبحانه :
«اللّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِى ءُ وَلَوْ