شرح زيارة الحسين عليه ‏السلام - صفحه 454

وقد سرى هذا في المعاملات أيضا ، فكلّ كلام صدر من متكلِّم من غير قصد المعاملة لاتصحّ المعاملة ، كما لا خفاء فيه .
فتذكّر بأنّ النيّات والقصود هي روح الأعمال ، وهي الصادرة من الإنسان ، وبها يمتاز الإنسان من سائر الحيوان ، فإنّ الإنسان إذا أراد أمرا تهيّأ لمراده ، فإرادته صادرة منه أوّلاً وهي فعل قلبه ، ثمّ يشتغل بعمل جوارحه على حسب إرادته .
وليس المقصود هنا تفصيل ذلك ، والمقصود أنّ القصد الصادر من القلب هو المعتبر عند اللّه تعالى ، كما قال تعالى : «إِنْ يَعْلَمْ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرا يُؤْتِكُمْ خَيْرا»۱ .
فإذا تمنّى المتمنّي عن صدق بقوله : «ياليتني كنت معكم فأفوز فوزا عظيما» فهو شهيد عند اللّه ورسوله وأوصيائه عليهم السلام ، فائز بالفوز العظيم الذي قد فاز به الفائزون المعروفون ، وإن أخّرته الدهور عن صدور ما تمنّى منه ظاهرا في الحياة الدنيا إن يعلم اللّه فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ممّا أخذ منكم فتصير تلك الشهادة كفّارة لذنوبه كائنةً ما كانت ؛ وذلك بأنّ اللّه جعل الشهادة كفّارة لذنوب الشهيده وجعل عقاب ذنوبه على قاتله ، كما قال : «لَئِنْ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِاَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ»۲ .
وذلك سرّ حمل معاصي المؤمنين على الكافرين ، كما ورد عنهم عليهم السلام ، وسرّ العفو عنهم وقبول الشفاعة في حقّهم ، وسرّ شفاعة سيِّد الشهداء عليه السلام لعصاة أوليائه ، فقد روي عنهم عليهم السلام : أنّ ألف صفّ صفّفت في القيامة محتاجين إلى الشفاعة فشفع سيِّد الشهداء عليه السلام بنفسه الشريفة تسعمائة وتسع وتسعين صفّا ، وبقي صفّ واحد ، فشفع لهم رسول اللّه وأمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، ففي ذلك الصفّ الواحد أيضا داخل لأجل الشفاعة ، إذ هو الذي بشهادته أحيا الإسلام ، ولولا شهادته لانهدم الإسلام وصار كما صار أمرا سلطانيّا باجتماع جماعة على أحد كان سلطانا لهم كسائر السلاطين ، ثمّ اجتمعوا على الثاني والثالث كذلك ،

1.الأنفال (۸) : ۷۰ .

2.المائدة(۵) : ۲۸ ـ ۲۹ .

صفحه از 455