الحديث الثامن
۰.روى في الكافي عن عليّ بن محمّد بن عبداللّه ، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن الديلمي۱، عن أبيه، قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللّه ِ عليه السلام : فُلَانٌ مِنْ عِبَادَتِهِ وَدِينِهِ وَفَضْلِهِ كَذَا ، فَقَالَ :«كَيْفَ عَقْلُهُ؟» قُلْتُ : لَا أَدْرِي ، فَقَالَ عليه السلام : «إِنَّ الثَّوَابَ عَلى قَدْرِ الْعَقْلِ ؛ إِنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَعْبُدُ اللّه َ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ ، خَضْرَاءَ ، نَضِرَةٍ ، كَثِيرَةِ الشَّجَرِ ، ظَاهِرَةِ الْمَاءِ ، وَإِنَّ مَلَكَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَرَّ بِهِ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، أَرِنِي ثَوَابَ عَبْدِكَ هذَا ، فَأَرَاهُ اللّه ُ تَعَالى ذلِكَ ، فَاسْتَقَلَّهُ الْمَلَكُ ، فَأَوْحَى اللّه ُ تَعَالى إِلَيْهِ أَنِ اصْحَبْهُ ، فَأَتَاهُ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ إِنْسِيٍّ ، فَقَالَ الرجل ۲ لَهُ : مَنْ أَنْتَ؟ فقَالَ ۳ : أَنَا رَجُلٌ عَابِدٌ بَلَغَنِي مَكَانُكَ وعِبَادَتُكَ فِي هذَا الْمَكَانِ ، فَأَتَيْتُكَ لِأَعْبُدَ اللّه َ مَعَكَ ، فَكَانَ مَعَهُ يَوْمَهُ ذلِكَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ، قَالَ لَهُ الْمَلَكُ : إِنَّ مَكَانَكَ لَنَزِهٌ وَمَا يَصْلُحُ إِلَا لِلْعِبَادَةِ ، فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ : إِنَّ لِمَكَانِنَا هذَا عَيْبا ، فَقَالَ لَهُ : وَمَا هُوَ؟ قَالَ : لَيْسَ لِرَبِّنَا بَهِيمَةٌ ، فَلَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ رَعَيْنَاهُ فِي هذَا المَوْضِعِ ؛ فَإِنَّ هذَا الْحَشِيشَ يَضِيعُ ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ : وَمَا لِرَبِّكَ حِمَارٌ؟ فَقَالَ : لَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ مَا كَانَ يَضِيعُ مِثْلُ هذَا الْحَشِيشِ ، فَأَوْحَى اللّه ُ تَعَالى إِلَى الْمَلَكِ : إِنَّمَا أُثِيبُهُ عَلى قَدْرِ عَقْلِهِ» .
هديّة :
(عليّ بن محمّد بن عبداللّه ): هو عليّ بن محمّد بن عبداللّه بن اُذينة من مشايخ الكليني. قاله السيّد الأجلّ النائيني ۴ . أو عليّ بن محمّد بن عبداللّه بن عمران البرقي كما قيل. ۵
(فلان): مبتدأ محذوف الخبر مثل : «ممدوحٌ له»، «بمكانٍ»، «لَكامِلٌ».
(كيف عقله): سؤال عن قدر عقله الذي مناط التكليف.
(على قدر العقل) أي العقل الذي يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان. ۶
(نضرة) : ك «كَلِمَة».
(ظاهرة الماء) أي ماؤها على وجه الأرض. ويحتمل الطاء المهملة.
(استقلّه): عدّه قليلاً.
(أنا رجل) صِدْقٌ وهو بصورة رجلٍ.
(بلغني مكانك) أي منزلتك ومكانتك.
ولا يلزم من تمنّي ذلك العابد بقوله: «فلو كان» ما ينافي [إسلامه] ۷ ، إسلامه بقدر عقله الضعيف، ۸ وهو من سفهاء المسلمين، وهم مسلمون ما يسمعون من العقلاء من المعارف الحقّة والتبرّي عن المجسّمة وسائر الكفّار.
فطوبى لأهل الولاية الذين أدناهم بمجرّد طاعة مفترض الطاعة على قدر عقله ـ كهذا العابد المطيع لنبيّ من الأنبياء ـ مخلّد في أدنى درجة من درجات الجنّة بمشيئة اللّه تعالى وفضل جوده، وويل للصوفيّة والقدريّة الذين خواصّهم بمخالفة المعصوم ۹ مخلّد في أسفل دَرْكٍ من دركات النار ۱۰ .
رعى البعير، رعيتُه أنا، يتعدّى ولا يتعدّى.
وقال برهان الفضلاء سلّمه اللّه تعالى:
«فلان» خبر مبتدأ، و«من» ظرفه. والمراد: أنّ عبادته ودينه وفضله في مرتبة الكمال، كأنّه خلق منها، نظير: «خُلِقَ الْاءِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ»۱۱ .
و«الدين»: الذلّ والاستكانة بالعبوديّة والطاعة عند الأمر بالإقبال والإدبار كما مرّ.
والمراد بالفضل هنا: ملكة السخاء ونحوه.
«طاهرة الماء» بالمهملة، أي نظيفة الماء.
«أن أصحبه» بفتح الهمزة وسكون النون الساكنة المكسورة لالتقاء الساكنين: مفسّرة؛ لأنّ «أوحي» متضمّن لمعنى «قال».
«يضيع» الاُولى على المعلوم من باب ضرب، والثانية على المعلوم من التفعيل أو المجرّد.
ولا يخفى أنّ هذا العابد من المستضعفين الذين للّه فيهم المشيئة، أو من الّذين قد يفرضون محالاً بترك الأدب الناشئ من ضعف العقل من دون اعتقاد الجسميّة.
وقال الفاضل الاسترآبادي بخطّه:
سمعت اُستاذي الفاضل المحقّق ميرزا محمّد الاسترآبادي يقول: الظاهر أنّ عليّ بن محمّد بن عبداللّه هو ابن اُذينة؛ لأنّه من جملة العِدَّة، وهو مجهول.
«من عبادته ودينه وفضله»؛ أي في المرتبة العليا. ۱۲
في بعض النسخ «إنّما أثبته» على الماضي.
1.في الكافي المطبوع: «محمّد بن سليمان الديلمي».
2.في الكافي المطبوع: - «الرجل».
3.في الكافي المطبوع : «قال».
4.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۴۷.
5.في الوافي، ج ۱، ص ۸۳ : «ويحتمل ابن عمران البرقي».
6.توجد هنا في «الف» عبارة لم تقرأ.
7.أضفناه لتكميل العبارة.
8.في «ب» و «ج»: - «الضعيف».
9.في «ب»: + «في العقائد والأعمال».
10.في «ب» و «ج»: + «ونجاة غير المتمادي من عوامّهم على الأحتمال». وفي «ب» و «ج»: + «في العقائد والأعمال».
11.الأنبياء (۲۱): ۳۷.
12.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۸۶ .