279
الهدايا لشيعة ائمة الهدي ج1

الحديث الثالث والعشرون

۰.روى في الكافي وقال: عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلاً ، قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّه ِ عليه السلام :«دِعَامَةُ الْاءِنْسَانِ الْعَقْلُ ، وَالْعَقْلُ مِنْهُ الْفِطْنَةُ وَالْفَهْمُ وَالْحِفْظُ وَالْعِلْمُ ، وَبِالْعَقْلِ يَكْمُلُ ، وَهُوَ دَلِيلُهُ وَمُبْصِرُهُ وَمِفْتَاحُ أَمْرِهِ ، فَإِذَا كَانَ تَأْيِيدُ عَقْلِهِ مِنَ النُّورِ ، كَانَ عَالِما ، حَافِظا ، ذَاكِرا ، فَطِنا ، فَهِما ، فَعَلِمَ بِذلِكَ كَيْفَ ، وَلِمَ ، وَحَيْثُ ، وَعَرَفَ مَنْ نَصَحَهُ وَمَنْ غَشَّهُ ، فَإِذَا عَرَفَ ذلِكَ ، عَرَفَ مَجْرَاهُ وَمَوْصُولَهُ وَمَفْصُولَهُ ، وَأَخْلَصَ الْوَحْدَانِيَّةَ لِلّهِ وَالْاءِقْرَارَ بِالطَّاعَةِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذلِكَ ، كَانَ مُسْتَدْرِكا لِمَا فَاتَ ، وَوَارِدا عَلى مَا هُوَ آتٍ ۱ ، ويَعْرِفُ مَا هُوَ فِيهِ ، وَلِأَيِّ شَيْءٍ هُوَ هاهُنَا ، وَمِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ ، وَإِلى مَا هُوَ صَائِرٌ ؛ وَذلِكَ كُلُّهُ مِنْ تَأْيِيدِ الْعَقْلِ» .

هديّة :

«الدعامة» بالكسر : العماد ، وما يعتمد عليه ، والأصل الّذي ينشأ منه الفروع . عماد الشيء ، ودعامته ، وقوامه؛ بمعنى .
يعني إنسانيّة الإنسان العقل .
(والعقل منه الفطنة) أي التفطّن بانحصار الأعلميّة بما هو الحقّ في هذا النظام العظيم بعد مدبّره العليم الحكيم في العاقل عنه ؛ لعصمته المقدّرة لحِكَم ومصالح شتّى، وانحصار العمل بقوله فيما يجري فيه وفي دليله الاختلاف بلا مكابرة ، و«فهم» قوله بأنّه في ضروريّات الدِّين بالنظر إلى الجميع على السواء ، من دون رموز وكنايات ومعمّيات ومبدعات ۲ كالشمس في الضحى بالنظر إلى جميع أنظار الأصحّاء .
و«حفظ حديثه ، والعلم به»، أي القطع بما قاله ، وأخبر به عن اللّه سبحانه .
(وبالعقل يكمل) إنسانيّة الإنسان ، أي معرفته الدينيّة.
و«المبصر» كمنبر : آلة البصارة والبصيرة . وكمنصب : الحجّة .
(فإذا كان تأييد عقله من النور) أي من نور الحجّة المعصوم العاقل عن اللّه (كان عالما) بما عقل عن العاقل عن اللّه ، قاطعا بحقّيّته ، وبأنّه لا قطع بحقيّة غيره (حافظا) لما أخذ منه ، (ذاكرا) للّه سبحانه على ما أمر به ، شاكرا مطيعا بطاعة مفترض الطاعة ، (فطنا) في المعارف الدينيّة التي منها معرفة أعداء الدِّين ، (فهما) أنّه متفرّد بذلّ المخلوقيّة والعبوديّة كسائر المخلوقات، كما أنّ الربّ تبارك وتعالى متوحّد بعزّ الخالقيّة ، وتدبير الجميع.
(فعلم بذلك كيف) أي خصوصيّة كلّ شيء على ما عقل عن العاقل عن اللّه ، وكذا «لمّه» ، و، وجهه ، ومصلحته ، و«حيثه» ومنزلته ، و(عرف) موافقه ومنافقه .
(فإذا عرف ذلك ، عرف مجراه) بأنّ الدنيا إنّما هي مجرى وطريق إلى الآخرة.
و«الموصول» عبارة عن الأعمال الصالحة الباقية . و«المفصول» عن حطام الدنيا والحياة الفانية .
(والإقرار بالطاعة) أي طاعة مفترض الطاعة.
(وواردا على ما هو آت) أي مسرورا شاكرا، وآخر دعواهم فيها أن الحمد للّه ربّ العالمين .
(ويعرف ما هو فيه) نظير الحديث الذي قد سبق ذكره من أنّ : «للمعرفة أركانا أربعة؛ معرفة اللّه ، ومعرفة العبد نفسه ، ومعرفته أنّه لماذا خُلِق ، ومعرفة عدوّ دينه» .
فالمعنى : ويعرف ما هو فيه من الأمر الحقّ ويقطع به ، ويعرف أنّه خلق للمعرفة والعبوديّة للّه ربّ العالمين ، وأنّه خُلق بعد أن لم يكن أصلاً من ماء مهين بصنع أحسن الخالقين ، وأنّه صائر إلى الحقّ إلى الموت إلى القبر إلى عقبات البرزخ إلى الموقف محشورا بعد كونه رميما ، ثمّ إلى منازل الموقف المنتهية إلى الصراط المنتهي بأهل النار إلى النار وبأهل الجنّة إلى الجنّة.
قال برهان الفضلاء سلّمه اللّه :
«والعقل منه الفطنة»، يعني بعيوب أئمّة الضلال من محكمات القرآن .
«والفهم»، يعني فهم منزلة الإمام الحقّ .
«والحفظ»، يعني رعاية الأدب في تناول متشابهات القرآن والسنّة .
«والعلم»، يعني تعلّم المسائل الدينيّة من الإمام الحقّ .
«وهو دليله»، أي مُهديه . ۳
«ومبصره» بفتح ميم ، أي حجّته ، أو بكسرها ، أي آلة البصيرة .
«كان عالما»؛ أي بمسائل الدِّين .
«حافظا» ، أي راعيا لآدابه في الأحكام بالاجتناب عن العمل بالرأي.
«ذاكرا»، أي مادحا للإمام الحقّ.
«فطنا»: ذامّا على أئمّة الضلال .
«فهما» قول الإمام الحقّ .
«فعلم بذلك»، أي بسبب الاتّصاف بالأوصاف المذكورة «كيفيّة» حال الاُمّة بعد النبيّ صلى الله عليه و آله وعلّة افتراقها من إيثار الفاني على الباقي ونحو ذلك ومكان الإمامة الحقّة.
«وعرف مَن نصحه»، وهو الإمام الحقّ وشيعته.
«ومن غشّه»، وهو الإمام الباطل وتبعته.
«عَرَفَ مَجْرَاهُ»، أي سلوكه مع الناس ومن ينبغي مواصلته ومن يجب مفارقته.
«وَأَخْلَصَ الْوَحْدَانِيَّةَ لِلّهِ»، بنفي الشريك في الحكم، قال اللّه في سورة الأنعام ، وسورة يوسف في آيتين فيها: «إِنْ الْحُكْمُ إِلَا للّه ِ»۴ .
«مُسْتَدْرِكا لِمَا فَاتَ» ، أي من الآداب الحسنة من البين بسبب العمل بالظنّ والرأي.
«وَوَارِدا عَلى مَا هُوَ آتٍ» ، أي قاطعا طريق الشيطان القاصد للإتيان للفساد في الدِّين.
«ويَعْرِفُ مَا هُوَ فِيهِ» من المذهب الحقّ؛ يعني بشواهد الربوبيّة ومحكمات القرآن، وأنّه «لأيّ شَيْءٍ هُوَ» في المذهب الحقّ ، وأنّ عدوّه المبين من أيّ الطريق يأتيه، وأنّ عدوّه «إِلى مَا هُوَ صَائِرٌ» من الشبهات.
وجميع ما ذكرناه هنا على الاحتمال. وفي الشافي ذكرنا احتمالاً آخر. ۵
وقال السيّد الأجلّ النائيني رحمه الله:
«الدّعامة» بكسر الدال : عماد البيت ، والخشب المنصوب للتعريش. والمراد أنّ قيام أمر الإنسان ونظام حاله بالعقل، فكلّ من لم يكن عاقلاً يكون ساقطا غير منتظم الأحوال. ويمكن أن يكون بالنظر إلى النوع ، فلولا العقل لما بقي النوع؛ لأنّ الغرض من إيجاد الإنسان المعرفة التي لا تحصل إلّا بالعقل، «والعقل» يحصل أو ينشأ «منه» الفطنة، والفهم ، والحفظ ، والعلم». وهذا إلى قوله: «فإذا كان تأييد عقله» كالدليل لسابقه؛ أي إذا كان تقوية عقله ـ أي الحالة التي للنفس باعتبار الاتّصال والارتباط بالجوهر المفارق المخلوق أوّلاً ـ من النّور؛ أي ذلك المخلوق الأوّل الذي ذكر سابقا أنّه خلقه من نوره، وذلك التأييد بكمال إشراقه عليها.
ولعلّ المراد أنّه إذا كان عقله متقوّيا بذلك الإشراق ، كان جامعا لهذه الصفات بكماله ۶ ولو لم يتعلّم، وإذا كان غير متأيّد به كان له بعضها أو بعض المراتب منها . ويبلغ بالتعلّم والاكتساب إلى الكمال المتيسّر له ۷ . انتهى.
الأصوب في ۸ بيانه تعميم التأييد ؛ ليشمل تأييد الحجّة المعصوم المحصور عدده، وتأييد العاقل عن العاقل عن اللّه تبارك وتعالى.

1.في الكافي المطبوع : - «و» .

2.في «ب» و «ج»: «خيدعات».

3.في «ب» و «ج»: «هاديه».

4.الأنعام (۶) : ۵۷ ؛ يوسف (۱۲): ۴۰ و ۶۷ .

5.شرحه على الكافي المسمّى ب «الشافي» لم يطبع بعدُ، وسيطبع في مركز بحوث دار الحديث.

6.في المصدر : «بكمالها» .

7.الحاشية على اُصول الكافي، ص ۷۴ ـ ۷۵.

8.في «الف»: «ما».


الهدايا لشيعة ائمة الهدي ج1
278
  • نام منبع :
    الهدايا لشيعة ائمة الهدي ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین ؛ القیصریه ها، غلام حسین
    تعداد جلد :
    2
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 138489
صفحه از 644
پرینت  ارسال به