335
البضاعة المزجاة المجلد الثانی

وفي هذا الكلام دلالة على أنّ الإيمان مستلزم للخشوع، فعدم أحدهما دليل على عدم الآخر . وعلى تقدير جواز كون اللازم ـ أعني الخشوع ـ أعمّ، فانتفاؤه دليل على انتفاء الملزوم ـ أعني الإيمان ـ ولا عكس .
ولعلّ المراد بالإيمان هنا ما هو سبب للنجاة من العقوبات الدنيويّة والاُخرويّة مطلقا، فلا يرد أنّ أقلّ مراتب الإيمان يتحقّق بدون هذا اللازم .
(ولا خَشعت لي إلّا رَجَتْ ثوابي) ؛ يعني أنّ الخشوع ملزوم لرجاء الثواب ، كما أنّ الإيمان ملزوم للخشوع ، ومعلوم أنّ رجاء الثواب يستلزم العمل الموجب له، فإذن لا يتحقّق الإيمان بدون رجاء الثواب والعمل له . وأمّا استلزام الخشوع لرجاء الثواب فقط، ولولاه لم يحصل الخشوع؛ فإنّ من لم يرج من أحد شيئا، لم يخشع له أصلاً .
وقوله : (فأشهد) إلى قوله : (ولا تغيّر سنّتي) .
«أشهد» على صيغة الأمر، أو المتكلّم . والفاء للتفريع . ويفهم منه أنّ الأمنَ من العذاب يتوقّف على الإيمان المستلزم للخشوع ورجاء الثواب، ما لم يبتدع في الدِّين، ولم يغيّر شيئا من السنّة .
وقوله : (ابن البكر البتول) .
قال الفيروزآبادي : «البِكر، بالكسر: العَذْراء. الجمع: أبكار. والمصدر: البَكارة بالفتح. والمرأة، والناقة، إذا ولدَتا بطنا واحدا» . ۱
وقال : «بتله يبتله: قطعه. والبتول: المنقطعة عن الرجال، والمنقطعة عن الدُّنيا إلى اللّه » . ۲
وقوله : (ودَّع الأهلَ، وقلى الدُّنيا) .
في القاموس : «ودعه، كوضعه ، وودّعه بمعنى. والاسم: الوَداع، وهو تخليف المسافر الناسُ، وهم يودّعونه إذا سافر؛ أي يتركونه وسفره» . ۳
وفيه: «قلاه ـ كرماه ورضيه ـ قَلىً وقَلاءً ومَقْلِية: أبغضه، وكرهه غاية الكراهة، فتركه، أو قَلاه في الهَجْر، وقَليه في البغض» . ۴

1.القاموس المحيط ، ج ۱ ، ص ۳۷۶ (بكر) .

2.القاموس المحيط ، ج ۳ ، ص ۳۳۲ (قطع) .

3.القاموس المحيط ، ج ۳ ، ص ۹۲ (ودع) .

4.القاموس المحيط ، ج ۴ ، ص ۳۸۰ (قلي) .


البضاعة المزجاة المجلد الثانی
334

وقوله : (احكُم في عبادي بنُصحي) .
النُّصح، بالضمّ: الخلوص، وإرادة خير المنصوح . ولعلّ المراد هنا شرائع الدِّين وقوانينه ؛ أي احكم بينهم على ما علّمتك من قوانين الحكومة، أو بأحكام شرائع ديني، على أن يكون الباء للبيان، أو للإلصاق .
وفيه إيماء إلى النهي عن الحكم بالتظنّي والرأي والقياس والاستحسانات العقليّة .
وقيل : معناه: احكم بينهم لنصحي لهم، أو كما أنّي لك ناصح فكُن أنت ناصحا لهم . ۱
وقيل : أي بنصح لي، من باب الحذف والإيصال . ۲
(وقُم فيهم بعدلي) أي بالحكم العدل الذي جعلت لهم لدفع الظلم والجور .
وقوله : (شفاءً لما في الصدور من مرض الشيطان) .
المراد بالشفاء العدل، أو الكتاب المشتمل عليه، والحقائق الحكميّة التي بها يتمّ نظام المعاش والمعاد.
والمرض: إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها ، وإضافته إلى الشيطان لحصوله من وساوسه، وكون الحِكَم الشرعيّة شفاء منه؛ لأنّ مرض الوسواس في صدور الناس إمّا في أمر الدِّين، أو الاُمور المتعلّقة بالدُّنيا ، وقد اُنزل إلى الحكماء الإلهيّة من العلوم والحِكَم ما يعالج به جميعها .
وقوله : (لكلّ مفتون) أي المبتلى بالدُّنيا، أو بالمعصية .
وقوله : (حقّا أقول) .
نصب «حقّا» بما بعده ؛ أي أقول قولاً حقّا. أو بفعل مقدّر قبله، وما بعده مفسّر له .
ثمّ بيّن ذلك القول الحقّ، فقال : (ما آمنت بي خليقة إلّا خشعت لي) .
الخليقة: الخلائق . يُقال : هم خليقة اللّه ، وهم خَلْق اللّه . والخشوع: التطاول، والتواضع.
وقيل : مبدأه العلم بأنّ كلّ موجود مقهور في تصريف قدرته تعالى، ومربوط بربقة الحاجة إليه ؛ فإنّ هذا العلم يوجب تخشّعه وتخضّعه في أفعاله القلبيّة والبدنيّة، وإقباله إليه تعالى . ۳

1.قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ۱۲ ، ص ۹۸ .

2.قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ۲۵ ، ص ۳۱۶ .

  • نام منبع :
    البضاعة المزجاة المجلد الثانی
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : احمدی جلفایی، حمید
    تعداد جلد :
    3
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 216141
صفحه از 624
پرینت  ارسال به