139
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

ومنع الشارح الفاضل الدماميني الانحصار ، وقال : أيّ مانع يمنع عن أن يكون كلمة الاستفهام عند امتناع حملها على حقيقته يتولّد لها بمعونة القرائن ما يناسب المقام خارجا عن تلك المعاني الثمانية .
وهذا القسم من ضعف العقل لمّا كان لأكثر العقول ، ولا يكاد يمكن مداواته إلّا بارتياض العقل مدّة مديدة بمدارسة العلوم الحقيقيّة وملازمة العلماء الربّانيّين ، لم يتعرّض الملك لإرشاد العابد ورَدْعه عمّا هو عليه من عدم ارتضائه بما أجرى اللّه تعالى من تدبيره وقضائه وعرج ، ولو كان الرجل من المجسّمة وغرضه من الحمار وجود مركب للّه سبحانه لأمكن للملك بسهولة أن ينبّه على بطلانه .
وفي الحديث احتمالٌ آخَرَ، وهو أن يكون اللام في قول العابد : «ليس لربّنا بهيمة» للاختصاص ، بأن يكون لمّا رأى كلّ حمار في تلك الجزيرة وغيرها في تصرّف متصرّف بحيث لا يعارضه أحد ، زَعَمَ بضعف عقله أنّه ليس شيء منها للّه تعالى ، وإلّا لما تصرّف فيه أحد ، كبيت اللّه وناقة اللّه ، فتمنّى أن يخصّ سبحانه لنفسه حمارا ، لا لاحتياجه إليه ؛ لتعاليه عن ذلك ، بل ليخدمه هو، ويرعاه في ذلك المكان تقرّبا إليه ، ولم يكن له قوّة عقل يحكم بما يحكم به العقول الكاملة من أنّه لا مُلك إلّا للّه ، وكلّ ما في أيدي الناس إنّما هو ملك اللّه أعارهم إيّاه لينتفعوا به مدّة معيّنة على الوجه الذي أباحه لهم ، ثمّ إذا انقضت المدّة نزع ممّن آتاه ، وأعاره قوما آخَرين ؛ كما قال عزّ من قائل : «قُلِ اللَّهُمَّ مَــلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ»۱ .
وأكثر عوامّ العبّاد والزُّهّاد وأشباههم من علماء القشر غافلون عن هذه الدقيقة ، وإن يقولوا بذلك فإنّما يقولون على وجه التكليف ، دون التحقّق، كما يظهر من أفعالهم وآثارهم .
وقول الملك : «وما لربّك حمار» استفهام إنكاري ، كأنّه يقول : عجبا أنّك تتمنّى له ـ تبارك وتعالى ـ مالكيّة حمار فقط، والحال أنّ كلّ الأشياء مملوكة له بالحقيقة ، الحمارَ

1.آل عمران (۳) : ۲۶ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
138

حمار» بعد قول العابد : «ليس لربّنا حمار» جملة استفهاميّة معطوفة على جملة مقدّرة من باب قوله تعالى : «أَوَ كُلَّمَا عَـهَدُواْ»۱ ؛ «أَوَ لَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ»۲ كأنّه يقول : قد توافرت في هذه الجزيرة مياه ظاهرة لطيفة ، وأعشاب خضرة بهيجة ، وألوانٌ من الأزهار والأنوار ، وأنواعٌ من الفواكه والثِّمار ؛ وهذه نعماء جليلة رزقك الذي رَبّاك ، وأحسن إليك بها بعد أن هداك ، أوليس لربّك في جملة ماله في هذه الجزيرة من دلائلَ عظيمِ القدرة ، وآثارٍ جليل النِّعمة حمار ، وهو في جنب تلك النعماء التي أنعمك بها أمرٌ سهلٌ هيّن ؟
وهذا الاستفهام ليس على حقيقته في الحقيقة ؛ لأنّ العابد أخبر الملك بأن ليس للربّ حمار في هذا المكان ، فكيف يستفهم على وجه الحقيقة ؟
والظاهر أنّ الملك أظهر به التعجّب من عدم خلق الحمار في ذلك المكان مع شدّة الاحتياج به إليه ، على أنّ الغرض من هذا الإظهار المماشاة مع العابد كي يتنبّه من وجه التعجّب، بأنّ من كانت قدرته إلى حيث يصدر منها هذه الآثار العظيمة ، ورأفته ورحمته وبرّه وإحسانه إليه بهذه المثابة ، فعدم خلق الحمار في هذه الجزيرة ليس من جهة العجز ، أو البخل والضنّة ، أو السهو والغفلة ، بل لحكمة ومصلحة هو أعلم بها ، والعابد لضعف عقله لم يفطن بذلك ، بل زعم أنّ الملك موافق له في الرأي ، ولتصلّبه عليه تعجّب من الإخبار بعدم الحمار ، فأخذ يستدلّ عليه وقال : «لو كان له حمار ما كان يضيع هذا الحشيش» وهذا القول دليل بيّنٌ على أنّه حمل قول الملك : «وما لربّك حمار» على الاستفهام التعجّبي . والمستند في استعمال الاستفهام في التعجّب قول المحقّقين من النحاة .
قال ابن هشام في المغني :
قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي ، فترد لثمان معانٍ : التسوية ، والإنكار الإبطالي ، والإنكار التوبيخي ، والتقرير ، والتهكّم ، والأمر ، والتعجّب ، والاستبطاء . ۳

1.البقرة (۲) : ۱۰۰ .

2.البقرة(۲) : ۱۷۰ ؛ المائدة (۵) : ۱۰۴ .

3.مغني اللبيب ، ج ۱ ، ص ۱۷ ـ ۱۹ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166905
صفحه از 637
پرینت  ارسال به