ومنع الشارح الفاضل الدماميني الانحصار ، وقال : أيّ مانع يمنع عن أن يكون كلمة الاستفهام عند امتناع حملها على حقيقته يتولّد لها بمعونة القرائن ما يناسب المقام خارجا عن تلك المعاني الثمانية .
وهذا القسم من ضعف العقل لمّا كان لأكثر العقول ، ولا يكاد يمكن مداواته إلّا بارتياض العقل مدّة مديدة بمدارسة العلوم الحقيقيّة وملازمة العلماء الربّانيّين ، لم يتعرّض الملك لإرشاد العابد ورَدْعه عمّا هو عليه من عدم ارتضائه بما أجرى اللّه تعالى من تدبيره وقضائه وعرج ، ولو كان الرجل من المجسّمة وغرضه من الحمار وجود مركب للّه سبحانه لأمكن للملك بسهولة أن ينبّه على بطلانه .
وفي الحديث احتمالٌ آخَرَ، وهو أن يكون اللام في قول العابد : «ليس لربّنا بهيمة» للاختصاص ، بأن يكون لمّا رأى كلّ حمار في تلك الجزيرة وغيرها في تصرّف متصرّف بحيث لا يعارضه أحد ، زَعَمَ بضعف عقله أنّه ليس شيء منها للّه تعالى ، وإلّا لما تصرّف فيه أحد ، كبيت اللّه وناقة اللّه ، فتمنّى أن يخصّ سبحانه لنفسه حمارا ، لا لاحتياجه إليه ؛ لتعاليه عن ذلك ، بل ليخدمه هو، ويرعاه في ذلك المكان تقرّبا إليه ، ولم يكن له قوّة عقل يحكم بما يحكم به العقول الكاملة من أنّه لا مُلك إلّا للّه ، وكلّ ما في أيدي الناس إنّما هو ملك اللّه أعارهم إيّاه لينتفعوا به مدّة معيّنة على الوجه الذي أباحه لهم ، ثمّ إذا انقضت المدّة نزع ممّن آتاه ، وأعاره قوما آخَرين ؛ كما قال عزّ من قائل : «قُلِ اللَّهُمَّ مَــلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ»۱ .
وأكثر عوامّ العبّاد والزُّهّاد وأشباههم من علماء القشر غافلون عن هذه الدقيقة ، وإن يقولوا بذلك فإنّما يقولون على وجه التكليف ، دون التحقّق، كما يظهر من أفعالهم وآثارهم .
وقول الملك : «وما لربّك حمار» استفهام إنكاري ، كأنّه يقول : عجبا أنّك تتمنّى له ـ تبارك وتعالى ـ مالكيّة حمار فقط، والحال أنّ كلّ الأشياء مملوكة له بالحقيقة ، الحمارَ