257
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

للتخليص ، والمنافذ لتنفيذ الفضول ، والأوعية لحملها ، والفرج لإقامة النسل ، وكذلك جميع الأعضاء إذا تأمّلتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كلّ شيءٍ منها قد قدّر لشيء على صواب وحكمة» .
قال المفضّل : فقلت : يا مولاي إنّ قوما يزعمون أنّ هذا من فعل الطبيعة .
فقال عليه السلام : «سلهم عن هذه الطبيعة أيّ ۱ شيءٍ ، له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال ، أم ليست كذلك؟ فإن أوجبوا لها العلم والقدرة ، فما يمنعهم من إثبات الخالق؛ فإنّ هذه صنعته ، وإن زعموا أنّها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة ، علم أنّ هذا الفعل للخالق الحكيم ، وأنّ الذي سمّوه طبيعةً هو سنّة في خلقه ، جارية على ما أجراها عليه» . ۲
وقال عليه السلام في موضع آخر في جواب قول المفضّل : فقلت : إنّ قوما من المعطّلة يزعمون أنّ اختلاف الألوان والأشكال في الطير إنّما يكون من قبل امتزاج الأخلاط واختلاف مقاديرها :
«يا مفضّل هذا الوشي الذي تراه في الطواويس والدرّاج على استواء ومقابلة كنحو ما يخطّ بالأقلام ، كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكلٍ واحد لا يختلف ؟ ولو كان بالإهمال لَعدم الاستواء ، ولكان مختلفا» . ۳
وقال عليه السلام في موضع آخر :
«قد شرحت لك يا مفضّل الأدلّةَ على الخلق ، والشواهدَ على صواب التدبير والعمد في الإنسان والحيوان والنبات والشجر وغير ذلك ما فيه عبرة لمن اعتبر ، وأنا أشرح لك الآنَ الآفاتِ الحادثةَ في بعض الأزمان الذي اتّخذها اُناس من الجهّال ذريعةً إلى جحود الخلق والخالق والعمد والتدبير ، وما أنكرت المعطّلة والمانيّة ۴ من المكاره

1.في المصدر : «أهي» .

2.توحيد المفضّل ، ص ۵۴ ـ ۵۵ ؛ بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۶۷ ـ ۶۸ .

3.توحيد المفضّل ، ص ۱۱۷ ؛ بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۱۰۵ .

4.في المصدر : «المانيّة» .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
256

حيارى ، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته وحسن صنعته وصواب تهيئته ، وربّما وقف بعضهم على الشيء لجهل سببه والإرب فيه ، فيسرع إلى ذمّه ووصفه بالإحالة والخطأ كالذي أقدمت عليه المانيّة ۱ الكفرة ، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال المعلّلين أنفسهم بالمحال ، فيحقّ ـ على من أنعم اللّه عليه بمعرفته ، وهداه لدينه ، ووفّقه لتأمّل التدبير في صنعة الخلائق ، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير ، وصواب التعبير بالدلالة القائمة الدالّة على صانعها ـ أن يُكثر حمد اللّه مولاه على ذلك ، ويرغبَ إليه في الثبات عليه والزيادة منه ؛ فإنّه جلّ اسمه يقول : «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ»۲ .
يا مفضّل أوّل العِبَر والدلالة على الباري ـ جلّ قدسه ـ تهيئة هذا العالم ، وتأليف أجزائه ، ونظمها على ما هي عليه ؛ فإنّك إذا تأمّلت العالم بفكرك ، وميّزته بعقلك ، وجدته كالبيت المبنيّ المُعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ؛ فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة ۳ كالمصابيح ، والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ، والإنسان كالمملّك ذلك البيت والمخوّل جميع ما فيه ، وضروب النبات مهيّأة لمآربه ، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه ، ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملاءَمة ، وأنّ الخالق له واحد، وهو الذي ألّفه ونظمه بعضا على بعض جلّ قدسه ، وتعالى جَدّه ، وكرم وجهه ، ولا إله غيره ، تعالى عمّا يقول الجاحدون ، وجلّ وعظم عمّا ينتحله الملحدون» . ۴
قال عليه السلام في موضع آخر :
«فكِّر يا مفضّل في أعضاء البدن أجمع ، وتدبير كلّ منهما للإرب ؛ فاليدان للعلاج، والرِّجلان للسعي ، والعينان للاهتداء ، والفم للاغتذاء ، والمعدة للهضم ، والكبد

1.في المصدر : «المنانية» . وفي البحار : «المانوية» .

2.إبراهيم (۱۴) : ۷ .

3.في المصدر : «مضيئة» .

4.توحيد المفضّل ، ص ۴۴ ـ ۴۷ ؛ بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۵۹ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166592
صفحه از 637
پرینت  ارسال به