271
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

لراحتهم ، والنوم لهدؤهم ، والإتقان لأعمالهم ؛ فإنّها لو كانت رجراجةً منكفئةً لم يكونوا يستطيعون أن يتقنوا البناء والنجارة والصناعة وما أشبه ذلك ، بل كانوا لا يتهنّأون بالعيش والأرض ترتجّ من تحتهم ، واعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل على قلّة مكثها حتّى يصيروا إلى ترك منازلهم والهرب عنها» . ۱
وروى الصدوق في كتاب العيون عن أبي محمّد عليه السلام أنّه قال في تفسير قوله تعالى : «الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشا»۲
الآية : «جعلها ملائمةً لطبائعكم ، موافقةً لأجسادكم؛ لم يجعلها شديدةَ الحمّى فتحرقكم ، ولا شديدةَ البرودة فتجمدكم ، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم ، ولا شديدةَ النتن فتعطبكم ، ولا شديدةَ اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم وأبنيتكم ودفن موتاكم ، ولكنّه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به ، وتتماسكون وتتماسك عليها أبدانكم ، وجعل فيها من اللين ما تنقاد به في حرثكم وقبوركم وكثير من منافعكم ، فكذلك جعل الأرض فراشا لكم .
ثمّ قال : «وَالسَّمَاءَ بِنَاءً» يعني سقفا من فوقكم محفوظا ، يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم .
ثمّ قال : «وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً» يعني المطر يُنزله من علا ليبلغ قلل جبالكم ، وتلالَكم وهضابكم وأوهادكم ، ثمّ فرّقه رذاذا ووابلاً وهطلاً لتنشفه أرضكم ، ولم يجعل ذلك المطر نازلاً عليكم قطعةً واحدةً، فتفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم .
ثمّ قال : «فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقا لَكُمْ» يعني ما يخرجه من الأرض رزقكم «فَلَا تَجْعَلُوا للّهِِ أَندَادا» أشباها وأمثالاً من الأصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شيء «وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»۳ أنّها لا تقدر على شيءٍ من هذه النِّعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربّكم» . ۴

1.توحيد المفضّل ، ص ۱۴۲ ؛ بحار الأنوار ، ج ۳ ، ص ۱۲۱ .

2.البقرة (۲) : ۲۲ .

3.عيون أخبار الرضا ، ج ۱ ، ص ۱۳۷ ، ح ۳۶ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
270

فإذن كان حركتهما حركةَ مريدٍ عابثٍ غير متروٍّ ، كالأطفال والمجانين يفعلون الأفاعيل الغير المنتظمة لدواعٍ وهْميّة وخياليّة ، يبنون بناءً على التراب من الطين والحشائش والأخشاب ، وإذا لم يكن بناء بنائهم على الرويّة والغرض الصحيح يهدمونه بأضعف هاجس ، فلأيّ سبب كان هذا النظام البديع والبنيان المنيع ، ودام في هذه المدّة المديدة غير متغيّر ولا متبدّل ؟
وكذا الكلام فيما يذهبون إليه ، ويظنّون أنّه الدهر ليس ما ينسبون إليه من الحركات طبيعيّةً لتفنّنها ، فإن لوحظ فيها التدبير ونظام العالم ، فالذي يدبّر هذا التدبيرَ الذي ينبئ عن كمال القدرة والحكمة ، هو الذي نقول به ونخضع له، وهم سمّوه دهرا ، وإن لم يلاحظ فهي كحركات المجانين والأطفال ، فَلِمَ وقعت أجزاء العالم على ما ينبغي ، مثل أنّ السماء مرفوعة والأرض موضوعة ؟ لِمَ لا تسقط السماء على الأرض ؟ لِمَ لاتنحدر الأرض فوق طباقها ، فلا تتماسكان ولا يتماسك من عليها ؟
قال مولانا الصادق عليه السلام في توحيد المفضّل في منفعة وضع الأرض :
«فكِّر يا مفضّل فيما خلق اللّه ـ عزّوجلّ ـ عليه هذه الجواهرَ الأربعة ليتّسع ما يحتاج إليه منها ؛ فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها ، فلولا ذلك كيف كانت تتّسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم والعقاقير العظيمة والمعادن الجسيمة غناؤها ؟ ولعلّ من ينكر هذه الفلوات الخاوية والقفار الموحشة فيقول : ما المنفعة فيها ، فهي مأوى هذه الوحوش ومجالها ومرعاها ؟ ثمّ فيها بعدُ متنفّسٌ ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم ، فكم بيداء ، وكم فدفد حالت قصورا وجنانا بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها ، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصارٍ ضيّق لايجد منه مندوحةً عن وطنه إذا أحزنه أمر يضطرّه إلى الانتقال عنه .
ثمّ فكِّر في خلق هذه الأرض على ما هي عليه حين خلقت راتبةً راكنةً ، فيكون موطنا مستقرّا للأشياء ، فيتمكّن الناس من السعي عليها في مآربهم ، والجلوس عليها

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166133
صفحه از 637
پرینت  ارسال به