279
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

الثالثة ، فلابدّ من محرِّك لا يكون جسما ، قاهرٍ للمتحرّك في حركته ، فإن لم يكن له مبدأ فهو المبدأ الأوّل ، وإن كان له مبدأ ، فلابدّ من مبدأ أوّلَ بحكم المقدّمة الثالثة .
وإنّما استدلّ من الحركة لضرورة احتياجها إلى المحرِّك ؛ لضرورة خروجها من العدم إلى الوجود دون الأجسام ، ولم يستدلّ من الكائنات الفاسدات ؛ لأنّه ما يتوهّم أن لا مبدأ له هي العلويّات دون السفليّات ، ولأنّ الغالب القاهر على العلويّات أحقّ بالغلبة على السفليّات الظاهر تأثّرها من العلويّات دون العكس .
انتهى كلام السيّد قدس سره . ۱قوله : (يَقْدِرُ أنْ يُدْخِلَ الدُّنْيا [كُلَّها البَيْضَةَ]).[ح ۴ / ۲۱۹]
مخترع هذه المسألة ومبتدعها رأس الضلال، ورئيسهم إبليس الخبيث .
روى الصدوق ـ طاب ثراه ـ في باب القدر من كتاب التوحيد عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال : «إنّ إبليس قال لعيسى بن مريم عليه السلام : يقدر ربّك على أن يُدخل الأرض بيضةً لا تصغر الأرض ولا تكبر البيضة؟ فقال عيسى عليه السلام : ويلك إنّ اللّه لا يوصف بعجز ، ومَن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظم البيضة ؟». ۲
وروي أيضا عنه عليه السلام : «قال لأمير المؤمنين عليه السلام : هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن تصغر الدنيا وتكبر البيضة؟ قال : إنّ اللّه تعالى لا يُنسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون» . ۳
وأيضا عنه عليه السلام قال : «جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : أيقدر اللّه أن يُدخل الأرض في بيضة ، ولا تصغر الأرض ولا تكبر البيضة؟ فقال له : ويلك إنّ اللّه لا يوصف بالعجز ، ومن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظم البيضة؟» . ۴
وروى ابن أبي نصر، قال : جاء رجلٌ إلى الرضا عليه السلام ، فقال : هل يقدر ربّك أن يجعل السماوات والأرض وما بينهما في بيضة؟

1.الحاشية على اُصول الكافي لميرزا رفيعا ، ص ۲۴۴ ـ ۲۴۷ .

2.التوحيد ، ص ۱۲۷ ، ح ۵ .

3.التوحيد ، ص ۱۳۰ ، ح ۹ .

4.التوحيد ، ص ۱۳۰ ، ح ۱۰ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
278

ـ أي المأخوذ بحيث لا يصحّ أن ينتزع منها الوجود لهذا الانضمام ولصحّة الانتزاع التي هي كونه موجودا ـ لأنّ المعدوم لا يصحّ إيجاده لشيء فضلاً عن أن يوجد ذاتَه بديهةً ، فالسبب في صحّة انتزاع الوجود وانضمامه إلى المهيّة ـ التي يصحّ خلوّها في مرتبة اللحاظ العقلي عن الوجود ـ لا يكون إلّا موجودا آخَرَ يفيد وجود هذا الموجود .
المقدّمة الثالثة : أنّ الموجودات التي يحتاج كلّ واحدٍ منها إلى موجِد مباين له ، يحتاج مجموعها إلى الموجب المباين له ، وحكم الواحد والجملة لا يختلف فيه ؛ لأنّ مجموعها مَهيّات يصحّ عليها جملةً أن تكون خالية عن الوجود ؛ فإنّه كما يصحّ تحليل كلّ واحد إلى مهيّة ووجود منتزع عنها ـ وامتيازُهما عند العقل في ملاحظتهما امتيازا لا يكون معه وفي مرتبته خلط بينهما ، ولذلك يحكم بكونه محتاجا إلى سببٍ مباين له موجودٍ ـ كذلك يصحّ على الجملة والمجموع الغير المتناهية المؤلّفة من تلك الآحاد ما يصحّ على كلّ واحدٍ منهما ؛ فإنّ العقل لايفرّق في هذا الحكم بين الجملة المتناهية والجملة الغير المتناهية ، كما لايفرّق فيه بين الجملة المتناهية وكلّ واحد .
وإذ قد تمهّدت المقدّمات ، فأقول : خلاصة الاستدلال أنّه لا شكّ في حركات المتحرّكاتٍ من العلويّات حركات ليست طبيعيّةً للمتحرّك ؛ للانصراف عمّا يتحرّك إليه ، ولا إراديّةً للمتحرّك ؛ لانضباطها ودوامها وانحفاظها الدالّة على عدم اختلاف أحوال المتحرّك بالحركة من الاستنشاط أو الكلال أو حدوث ميل وغيرها التي يتحدّس منها بكونها غير إراديّة للمتحرّك ، وكلّما وجدت الحركة ، كان المحرِّك لها موجودا بحكم المقدّمة الاُولى والثانية ، وإذ ليست إراديّةً للمتحرّك ، فله محرِّك يضطرّه إلى الحركة ، والقاهر الذي اضطرّه إلى الحركة أقوى منه وأحكم ؛ لأنّ الضعيف لا يمكنه قهر القويّ ، فلا يكون حالّاً في المتحرِّك ، محتاجا إليه ، وأكبر من أن يحاط بالمتحرّك أو تحصر فيه ، أو أن يتّصف بمثل صفته الاضطراريّة ، ولابدّ أن ينتهي إلى محرّك لا يكون جسما ؛ لأنّ الجسم لا يحرّك الجسم إلّا بالمجاورة والحركة ، أو إحداث محرّك في المتحرّك ۱ ، فيكون التحريك بالحركة ، والكلام في حركته كالكلام في حركة الاُولى ، أو ينتهي ؛ لضرورة انتهاء الأجسام المتحرِّكة ، ولكون جميعها محتاجةً إلى خارج بحكم المقدّمة

1.في المصدر : + «وإذ عرفت أنّ المحرّك ليس في المتحرّك» .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 165884
صفحه از 637
پرینت  ارسال به