49
الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1

وثبوت الأهليّة الذاتيّة للّه تعالى أمرٌ مستغنٍ عن البيان ، فلا يستحقّ التذلّل والخضوع والإطاعة والانقياد بالذات إلّا للّه .
ثمّ إنّ نظرنا في هذا المقام إلى ما يقع من العباد بحسب مشيئة اللّه العزميّة التي فيها يُطاع ويُعصى ، وأمّا بحسب مشيئته الحتميّة فجميع أجزاء العالم بقَضّها وقضيضها ۱ متذلّلٌ خاضعٌ له ، مطيعٌ لأمره ، وَ لِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ اْلأَرْضِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ . ۲
وفي خطبة من خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : «خضعت له الأشياء ، وذلّت مستكينةً لعظمته» . ۳
وفي دعاءٍ احترز به الصادق عليه السلام عن المنصور اللَّعين ، ونقله الكفعمي في كتاب البلد الأمين : «أزمّة الاُمور كلّها بيدك ، صادرةً عن قضائك ، مذعنةً بالخضوع لقدرتك» الدعاء . ۴
ولو قُصد بالعبادة في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» الخضوع الذاتي والتذلّل الطبيعي الذي يعبد اللّه به كلّ شيء ـ كما ورد في القنوت : «سبحان من دانت له السماوات والأرض بالعبوديّة» ۵ ـ كان الغرض في ذكره الإذعانَ بخضوع الأشياء كلّها لقدرته ، كما اُشير إليه قبلُ في حديث الصادق عليه السلام ، فكان كلّ مصلّ صادقا في ادّعاء قصر عبادته وعبادة عامّة مشاركيه في الوجود .
وإن كان المقصود بها المأمورَ به بالأمر التشريعي ، فينبغي أن يكون غرض المصلّي إظهار الإيمان بوجوب القصر والتبرّي من الشرك ، كما قال سبحانه : «وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»۶ ، وعلى هذا فتفاضل المصلّين على حسب التخلّي من الشرك الخفيّ ؛ وفّقنا اللّه له بلطفه الجليّ والخفيّ .
وإذا أحطت بما تلونا عليك ، عرفت معنى قول المصنّف قدّس اللّه روحه ، كأنّه

1.أي بالكبير والصغير . والقضّ : الحصى الصغار ، والقضيض : الحصى الصغار . اُنظر: لسان العرب ، ج ۷ ، ص ۲۲۲ (قضض) .

2.اقتباس من الآية ۱۳ من سورة الرعد (۱۳) والآية ۱۶۳ من سورة البقرة وغيرها .

3.نهج البلاغة ، ص ۲۷۲ ، الخطبة ۱۶۸ . وفيه : «خضعت الأشياء له» .

4.البلد الأمين ، ص ۳۸۵ ؛ مهج الدعوات ، ص ۱۸۱ ؛ مفتاح الفلاح ، ص ۱۰۰ .

5.الفقيه ، ج ۱ ، ص ۳۱۵ .

6.البيّنة (۹۸) : ۵ .


الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
48

دَعَوْهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوا ، ولكن أحلّوا لهم حراما، وحرّموا عليهم حلالاً ، فَعَبَدُوهم من حيث لا يشعرون» . ۱
فتلخّص من هذا المجموع أنّ التذلّل والخضوع والإطاعة التي هي تابعة لهما عبادةٌ ، فإن كانت للّه فهي عبادة اللّه ، وكذا إن كانت لغير اللّه ولكن بأمر اللّه وإذنه ؛ إذ الخضوع والإطاعة من العبد لأحد بأمر السيّد وإذنه للسيّد أوّلاً وبالذات ، وإلّا فهي عبادة لغير اللّه وإشراك ؛ إمّا شركا جليّا ـ وهو ما يفعله عبدة الأوثان وعبدة الكواكب وعبدة النيران ، والقائلون بأنّ عزير ابن اللّه ، والقائلون بأنّ المسيح ابن اللّه ، وسائر فرق الكفر الظاهر ـ وإمّا شركا خفيّا كالخضوع والإطاعة لغير اللّه إطاعةَ مخالفةٍ لحكم اللّه ، مجاوزةٍ لإذن اللّه الشرعي والعقلي ، وإن كانت على أصناف، واستحقّ صاحبها بكلّ صنف نوعا من الذمّ والإهانة الدنيويّة أو الاُخرويّة .
وما ينكر أن يجري الشارع على كلّ صنف من أصناف نوعٍ حكما خاصّا وإن كان الكلّ مشتركا في حكم عامّ ، والعقل الصحيح أيضا يحكم بأنّ العبادة بمعنى التذلّل والإطاعة لا ينبغي أن يكون إلّا للّه ؛ لأنّها إمّا لجلب النفع كما هو شأن الاُجراء، أو لخوف الضرر كما هو شأن العبيد ، أو للأهليّة الذاتيّة كما هو شأن الصدِّيقين ، واللّه تعالى هو وليّ كلّ نعمة كما ورد في تلبية الحجّ : «إنّ الحمد والنِّعمة لك والمُلك ، لا شريك لك» . ۲
وفي بعض الأدعية الجليلة : «ما يكون من نعمة فمن اللّه » ۳ وهو المقتدر على كلّ نقمة ، كما قال تعالى : «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ»۴
، فلا ضارّ ولا نافع إلّا اللّه كما ورد في الأدعية الجليلة ، وقال عزّ من قائل تعليما لنبيّه صلى الله عليه و آله : «قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا»۵ .

1.المصدر ، ح ۷ .

2.الكافي ، ج ۴ ، ص ۲۴۹ ، باب حجّ النبيّ صلى الله عليه و آله ، ح ۷ ؛ و ص ۳۳۵ ، باب التلبية ، ح ۳ . وهو متواتر في المصادر الروائيّة .

3.تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام ، ص ۱۹ ؛ مصباح المتهجّد ، ص ۱۵۶ ؛ المصباح للكفعمي ، ص ۹۶ .

4.الأنعام (۶) : ۱۸ .

5.التوبة (۹) : ۵۱ .

  • نام منبع :
    الذّريعة الي حافظ الشّريعة ج1
    سایر پدیدآورندگان :
    تحقیق : الدرایتی، محمد حسین
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388 ش
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 166587
صفحه از 637
پرینت  ارسال به