وثبوت الأهليّة الذاتيّة للّه تعالى أمرٌ مستغنٍ عن البيان ، فلا يستحقّ التذلّل والخضوع والإطاعة والانقياد بالذات إلّا للّه .
ثمّ إنّ نظرنا في هذا المقام إلى ما يقع من العباد بحسب مشيئة اللّه العزميّة التي فيها يُطاع ويُعصى ، وأمّا بحسب مشيئته الحتميّة فجميع أجزاء العالم بقَضّها وقضيضها ۱ متذلّلٌ خاضعٌ له ، مطيعٌ لأمره ، وَ لِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ اْلأَرْضِ، لا إِلهَ إِلاّ هُوَ . ۲
وفي خطبة من خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : «خضعت له الأشياء ، وذلّت مستكينةً لعظمته» . ۳
وفي دعاءٍ احترز به الصادق عليه السلام عن المنصور اللَّعين ، ونقله الكفعمي في كتاب البلد الأمين : «أزمّة الاُمور كلّها بيدك ، صادرةً عن قضائك ، مذعنةً بالخضوع لقدرتك» الدعاء . ۴
ولو قُصد بالعبادة في «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» الخضوع الذاتي والتذلّل الطبيعي الذي يعبد اللّه به كلّ شيء ـ كما ورد في القنوت : «سبحان من دانت له السماوات والأرض بالعبوديّة» ۵ ـ كان الغرض في ذكره الإذعانَ بخضوع الأشياء كلّها لقدرته ، كما اُشير إليه قبلُ في حديث الصادق عليه السلام ، فكان كلّ مصلّ صادقا في ادّعاء قصر عبادته وعبادة عامّة مشاركيه في الوجود .
وإن كان المقصود بها المأمورَ به بالأمر التشريعي ، فينبغي أن يكون غرض المصلّي إظهار الإيمان بوجوب القصر والتبرّي من الشرك ، كما قال سبحانه : «وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»۶ ، وعلى هذا فتفاضل المصلّين على حسب التخلّي من الشرك الخفيّ ؛ وفّقنا اللّه له بلطفه الجليّ والخفيّ .
وإذا أحطت بما تلونا عليك ، عرفت معنى قول المصنّف قدّس اللّه روحه ، كأنّه
1.أي بالكبير والصغير . والقضّ : الحصى الصغار ، والقضيض : الحصى الصغار . اُنظر: لسان العرب ، ج ۷ ، ص ۲۲۲ (قضض) .
2.اقتباس من الآية ۱۳ من سورة الرعد (۱۳) والآية ۱۶۳ من سورة البقرة وغيرها .
3.نهج البلاغة ، ص ۲۷۲ ، الخطبة ۱۶۸ . وفيه : «خضعت الأشياء له» .
4.البلد الأمين ، ص ۳۸۵ ؛ مهج الدعوات ، ص ۱۸۱ ؛ مفتاح الفلاح ، ص ۱۰۰ .
5.الفقيه ، ج ۱ ، ص ۳۱۵ .
6.البيّنة (۹۸) : ۵ .