43
الکشف الوافي في شرح أصول الکافي

۲.عليُّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ، عن عمرو بن عثمان ، عن مفضّل بن صالح ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نُباتةَ ، عن عليّ عليه السلام ، قال :«هبط جبرئيلُ على آدمَ عليه السلام ، فقال :يا آدمُ ، إنّي اُمرتُ أن اُخيِّرَك واحدةً من ثلاثٍ ، فاختَرْها ودَع اثنتين ، فقال له آدمُ : يا جبرئيلُ ، وما الثلاث؟ فقال : العقلُ والحياءُ والدينُ ، فقالَ آدمُ : إنّي قد اخترتُ العقلَ ، فقالَ جبرئيلُ للحياء والدين : انصرفا ودعاه ، فقالا : يا جبرئيل ، إنّا اُمرنا أن نكونَ مع العقل حيث

وقوله: «استنطقه» أي جعله دالّاً لصاحبه إلى اُمور فيها الرشد، سواء كانت متعلّقة بالمعاش أم بالمعاد، فكأنّه ناطق.
وقوله: «ثمّ قال له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر» استعارة تمثيليّة، والمقصود أنّه جعله بحيث يكون سببا لأن يكون صاحبه قابلاً للتكليف، ومستعدّا لأن يكون مأمورا ومنهيّا، وكونه أحبّ باعتبار كونه سببا للتكليف وإصلاح حالِ من هو أحبّ عنده.
وقوله: «أما إنّي» إلخ، أي جعلتك المناط للتكليف، فكأنّه هو المأمور والمنهيّ، والمعاقب والمثاب، وهذا الجهل الأخير بعضه مأخوذ من كلام بعض الأفاضل المعاصرين، و لوهن ما ذكره غيّرناه وأصلحناه كذلك؛ واللّه الموفِّق.
قوله: (فقال: العقل والحياء والدين).
المراد بالعقل هاهنا القسم الثالث من المعنى السادس، أي كمال القوّة النطقيّة بحسب الكسب باعتبار قوّتي: النظريّة والعمليّة معا؛ لأنّ تكميل القوّة النظريّة بحسب الفطرة ليس باختيار العبد في هذا العالم الجسماني، سواء لم يكن باختياره أصلاً، أو كان باختياره في عالم تكليف الأرواح، كما جوّزه بعض الأعلام، والمقصود توفيق اكتساب ذلك الكمال، والحياءُ صفة ينبعث عنها ترك القبيح عقلاً؛ مخافة الذمّ.
واشتقاقه من الحَيْوَة؛ فإنّه انكسار يعتري القوّة الحيوانيّة من الشهويّة والغضبيّة، فيردّها عن أفعالها.
والمراد بالدين التصديق بما يجب التصديق به، والعمل بالشرائع والنواميس الإلهيّه. ولا شكّ في أنّ الحياء والدين تابعان، بل لازمان للعقل الكامل بحسب الكسب، ولذلك قالا بلسان الحال: إنّا اُمرنا أن نكون مع العقل حيث كان.


الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
42

۰.أما إنّي إيّاك آمُرُ ، وإيّاك أنهى وإيّاك اُعاقبُ ، وإيّاك اُثيبُ» .

وقوله: (أما إنّي إيّاك آمر) أي لمّا جعلتك قابلاً للتكليف أجعلك مكلّفا مأمورا ومنهيا لاستكمالك، ومعاقبا إن عصيت، ومثابا إن أطعت؛ لئلّا تتهاون في نيل كمالك؛ هذا.
ويحتمل أن يكون المراد بالإقبال الإقبالَ إلى عالم الملك بتعلّقه بالبدن؛ لاستكمال القوّة النظريّة بحصول العقل بالفعل، واستعمال القوّة العمليّة بالأخلاق والملكات المؤدّية إلى صلاح المعاش والمعاد؛ وبالإدبار الإدبارَ عن هذا العالم وقطع التعلّق عن البدن والرجوع إلى عالم الملكوت ۱ ، أي جعله متعلّقا بالبدن؛ لاستكماله بإرادته واختياره، ثمّ قطع علاقته وجعله راجعا إليه سبحانه، فهذا الإقبال والإدبار محبّة وعناية ولطف منه تعالى على عباده، على أنّه لم يكتف بهذا، بل أمرهم بما يصلح لنشأتيهم، ونهاهم عمّا يضرّهم فيهما، ويعاقبهم على المخالفة، ويعطيهم الثواب بالإطاعة؛ ليبالغوا في اكتساب الكمالات العلميّة والعمليّة، الذي يوجب القرب إلى جَنابه، وهي لطفه وحجّته عليهم؛ واللّه رؤُوفٌ بالعباد.
ويحتمل أن يكون قوله: «استنطقه» محمولاً على معناه اللغوي، إشارةً إلى ما وقع في يوم الميثاق وإن كان كيفيّته غير معلوم لنا، والمراد بالإقبال الإقبال إلى الحقّ من التصديق بالاُلوهيّة والتوحيد والعدل وغير ذلك ممّا يجب تصديقه، وبالإدبار الإدبار عن الباطل بأن لا يقولوا على اللّه بغير علم وأمثاله، وحينئذٍ لا حاجة في الحديث إلى تأويل. ۲
ويحتمل بعيدا أن يكون المراد بالعقل الصفةَ الداعيةَ لصاحبها إلى الأفعال الحسنة بدون جبر، والناهيةَ ـ أي الصارفة له ـ عن الأفعال القبيحة من غير جبر، وهي القوّة النطقيّة التي [هي] مناط التكليف عند ارتفاع الموانع ووجود الرابط كما مرّ ۳ ، وقد فسّرها المحقّق الطوسي في التجريد بـ «غريزة يلزمها العلم بالضروريّات عند سلامة الآلات». ۴ والتعريف الأوّل من جهة القوّة العمليّة، والثاني من جهة القوّة النظريّة.

1.نقلها في مرآة العقول، ج ۱، ص ۲۹ بعنوان «ربما يقال» .

2.نقلها في مرآة العقول، ج ۱، ص ۲۹ بعنوان «قيل».

3.مرّ في ص ۲.

4.كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص ۳۳۹، في تفسير العقل.

  • نام منبع :
    الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
    سایر پدیدآورندگان :
    الفاضلی، علی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 172877
صفحه از 739
پرینت  ارسال به