79
الکشف الوافي في شرح أصول الکافي

۰.لم يَدُلَّ على الباطن الخفيّ من العقل إلّا بظاهرٍ منه ، وناطقٍ عنه .
يا هشام ، كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : ما عُبِدَ اللّهُ بشيء أفضلَ من العقل ، وما تَمَّ عقلُ امرئ حتّى يكونَ فيه خصالٌ شتّى : الكفرُ والشرُّ منه مَأمونان ، والرشدُ والخيرُ منه مَأمولان ، وفضلُ ماله مبذولٌ ، وفضلُ قوله مكفوفٌ ، ونصيبُهُ من الدنيا القوتُ ، لا يَشْبَعُ من العلم دهرَه ، الذلُّ أحبُّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره ، والتواضعُ أحبُّ إليه من الشَرَف ،

وقوله عليه السلام : (لم يَدُلَّ على الباطن الخفيّ من العقل) أي من العاقل من باب المبالغة في كمال عقله؛ يعني لم يجعل دليلاً لنا على الباطن الخفيّ من العاقل من خوفه وكمال عقله ويقينه.
وقوله عليه السلام : (بظاهر منه وناطقٍ عنه) أي إلّا ممّا هو ظاهر من العقل، أي العاقل، وبما هو ناطق عن حال باطنه من مطابقة قوله لفعله، وموافقة سرّه لعلانيته، فإنّا إذا رأينا ذينك الأمرين ۱ من أحد، حكمنا بخوفه وكمال عقله ويقينه، وإذا رأينا منه ضدّهما، حكمنا بعدم اتّصافه بالأوصاف الفاضلة الباطنة المذكورة.
وقوله عليه السلام : (ما عُبِدَ اللّه بشيء) أي بسبب شيء (أفضلَ من العقل) أي العقل بالمعنى الثالث وهو القوّة النطقيّة المميّزة؛ فإنّ العقل والجوارح والقوى أسباب وآلات لعبادة العبد، والعقل أفضل ممّا عداه.
وقوله عليه السلام : (وما تَمَّ عقلُ امرئ) أي وما كمل عقل امرئ، وذلك هو العقل عن اللّه .
وقوله عليه السلام : (خصالٌ شتّى) أي صفات متعدّدة.
وقوله عليه السلام : (الكفر والشرّ منه مأمونان) أي يكون الناس في أمن من كفره وشرّه، أي لا يتصوّر بل لا يمكن منه كفر وشرّ. والرشد هو طريق الخير.
وقوله عليه السلام : (وفضلُ مالِه مبذولٌ) أي في سبيل اللّه .
وقوله عليه السلام : (ونصيبُه من الدنيا القوتُ) أي يكتفي من الدنيا بالقوت الضروري ومثلِه ممّا لا بدّ منه في الحياة.
وقوله عليه السلام : (دهره) أي تمام زمان حياته.

1.في النسخة: «ذانك الأمران».


الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
78

۰.ورَداها .
إنَّه لم يَخَفِ اللّهَ مَنْ لم يَعْقِلْ عن اللّه ، ومن لم يَعْقِلْ عن اللّه لم يَعْقِدْ قلبَه على معرفةٍ ثابتةٍ يُبْصِرُها ويَجِدُ حقيقتَها في قلبه ، ولا يكونُ أحدٌ كذلك إلّا مَن كان قولُهُ لفعلِهِ مُصدِّقا ، وسرُّهُ لعلانيته موافقا ؛ لأنّ اللّهَ ـ تبارك اسمه ـ .........

وقوله عليه السلام : (ورَداها) بفتح الراء المهملة، أي هلاكها، والمراد ما يوجب هلاكها وعذابها في الآخرة من ضلالتها.
ولمّا ذكر عليه السلام أنّ بعض القلوب تزيغ فأراد أن يبيّن أنّ من القلوب التي لم يمكن زيغها أصلاً فبيّنه (ظ) بقوله: (إنّه لم يخف اللّه ) إلخ.
وقوله: (من لم يَعْقِلْ عن اللّه ) أي من لم يكمل اللّه عقله؛ يعني لم يخف اللّه تعالى حقّ الخوف من لم يجعل اللّه تعالى عقله كاملاً بحسب الفطرة والكسب معا إلّا من استثنى، وهو من كان عقله كاملاً بحسب الفطرة فقط في الدرجة العليا كعيسى عليه السلام مثلاً في المهد، ومن لم يكن عقله كاملاً (لم يَعْقِدْ قلبه على معرفةٍ ثابتةٍ) أي لم يصدّق ذهنه تصديقا يقينيا على معرفة ثابتة من المعارف الإلهيّة والعلوم الدينيّة بحيث لا يضطرب بتشكيك المشكّك ، ولا يمكن أن يعقبه زيغ أصلاً (ويُبصِرُها) بعين بصيرته (ويَجِدُ حقيقتها في قلبه) وذهنه.
وقوله عليه السلام : (ولا يكون أحد كذلك) إشارة إلى المنفيّ، أي لا يكون أحد خائفا عاقلاً عن اللّه ، عاقدا قلبه على معرفةٍ حقيقيّة يقينيّة (إلّا من كان قولُه لفعله مصدَّقا) بفتح الدال على صيغة المفعول، أي كان قوله لأجل فعله مصدَّقا بأن يكون فعله مطابقا لقوله، كما سيجي في باب صفة العلماء في تفسير قوله تعالى: «إِنَّما يَخشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ»۱ قال عليه السلام : «يعني بالعلماء من صدّق فعله قوله» ۲ . وقيل: بكسر الدال، أي إلّا من إذا سئل عن أيّ فعل من أفعاله: من أين علمتَ حسنَه؟ أجاب بتطبيقه على كتاب اللّه وسنّة رسوله ببرهان قاطع؛ وذلك كما ترى.
وقوله عليه السلام : (لأنّ اللّه تبارك اسمه) إلخ دليل على أنّ المتّصف بالخوف وكمال العقل والاعتقاد اليقيني ليس إلّا من كان فعله مطابقا لقوله، وسرّه لعلانيته.

1.فاطر (۳۵): ۲۸.

2.الكافي، ج ۱، ص ۳۶، باب صفة العلماء، ح ۲.

  • نام منبع :
    الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
    سایر پدیدآورندگان :
    الفاضلی، علی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 171909
صفحه از 739
پرینت  ارسال به