لا يخفى أنّ الكلام في المقام ]= حجّيّة القرآن[ ليس إلّا مع العقلاء الّذين وصلوا مقامَ التعقّل و التجرّدِ، أى الوجودِ السِّعيّ الّذى به يقدرون عَلى درک الكلّيّات، و ذلک لانّ أساس مخاطبات الشرائع و النواميس إنّما هو معهم دون غيرهم و التكاليف موضوعٌ عليهم ليس إلّا. و لا نعني بالعقل إلّا ما يميّز به الرديّ عن الجيّد كما نطق به لسان السّنة المرويّة. و معلوم انّ ادراكه أمرٌ ضروريٌّ. اِذ الإنسانُ الّذي لم يبلغْ هذا المقامِ متى وصل اليه يجدُ من نفسه مغايرةً بينه في زمان عدم الوصول و بين حال وصوله. فلو راجعَ إلى وجدانه حينئذٍ لوجدَ حقيقةَ العقلِ وجدانآ شهوديّآ. فإدراک العقلِ أىِ الّذى به يميّز الردىّ عن الجيّد، أمرٌ ضروريٌّ بديهىٌّ لا يحتاج إلى معرّفٍ حقيقىٍّ و إلّا يلزم الدور و التّسلسل. لَسْتُ أُعرِّفُ حقيقةَ العقلِ من طريق التّسلسلِ؛ بل المقصودُ أنّه في ذلک المقام يعرف بنفس ذاته كالمصباح الّذى يعرف بنور نفسه؛ و ليس كلامُنا في العقل و شهوده مبنيءً على اصطلاحات الفلاسفة لكوننا تابعينَ لذوى النواميس و الشرائع، و هم لم يَبنوا أساسَهم على الإصطلاحات تسهيلا للبشرِ. بالجملةِ فظهر مِن هذا البيانِ انّ شهودَ العقلِ أمرٌ ضرورىٌّ لا يحتاج إلى اصطلاحٍ و كلفةٍ و تجشّمٍ، إذِ العقلُ الّذى قاله الأنبياءُ هو ما يميّز به الردىّ عن الجيّد بنحو الكلّيّةِ لا الجزئيّة، و العقل الّذى قالَهُ الفلاسفةُ و طَوّلوا في طرده و عكسه و كشف حقيقته ليس موضوعآ للتكاليف، فهو بالإعراض عنه أجدر.
ثمّ إنّ هاهنا مقامانِ لابدّ من التنبيه عليهما:
أحدُهما: انّ حجّيّة كل الحجج لابدّ و أن ينتهى إلى الحجّة ما بالذّات، و إلّا لا يثبتُ شيءٌ من الأشياء. اذ ما لم يَنْتَهِ إليها لما كان ثبوتها مسلّمآ و قطعيّآ. فعلمُ الميزان و الفلسفة ما لم ينتَهِ إلى حجّيّة العقلِ الّذى هو حجّةٌ بالذّات لم يكن