۰.يا هشام ، ثمّ ذمّ اللّه الكثرة فقال : « وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ » وقال : « وَ لَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَـوَ تِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ » وقال : « وَ لَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ » .
يا هشام ، ثمّ مدح القلّة فقال : « وَ قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ » .........
«وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبيلِ اللّه »
۱ أي عن شرعه في الاُصول والفروع، وقال في سورة لقمان: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهَ»۲ لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطرّهم إلى إذعانه، وقوله تعالى: «قُلِ الحَمْدُ للّهِ»۳ أي على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم، والذي في سورة لقمان: «بَلْ أَكْثَرُهُم لا يَعلَمُونَ»۴ أي لا يعلمون أنّ ذلك القول منهم يلزمهم، فقوله: «بل أكثرهم لا يعقلون» نقل بالمعنى إشارةً إلى ما مرّ من استلزام العقل الكامل العلم، فانتفاء العلم ـ الذي هو اللازم ـ مستلزم لانتفاء العقل الذي هو الملزوم، وقوله عليه السلام : (وقال) أي في سورة العنكبوت: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم»۵ الآية، وتفسيره يظهر ممّا مرّ.
وأمّا دليل الثاني، فهو أنّ اللّه تعالى مدح القليل، فالمراد بالقلّة في قوله عليه السلام : (ثمّ مدح القلّة) القليل، ولمّا كان ما هو ذمّ للكثرة بحسب المنطوق مدحا ۶ للقلّة بحسب المفهوم وبالعكس، فللإشارة إلى هذا وسطَ ما هو منطوقه مدح القلّة فيما هو منطوقه ذمّ الكثرة.
وقوله عليه السلام : (فقال) أي في سورة سبأ: «وَقَليلٌ مِنْ عِباديَ الشَكُور»۷ وهو المتوفّر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفي حقّه؛ لأنّ توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية؛ ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر.