63
الکشف الوافي في شرح أصول الکافي

۰.يا هشام ، ثمّ ذمّ اللّه الكثرة فقال : « وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ » وقال : « وَ لَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَـوَ تِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ » وقال : « وَ لَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ » .
يا هشام ، ثمّ مدح القلّة فقال : « وَ قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ » .........

«وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبيلِ اللّه » ۱ أي عن شرعه في الاُصول والفروع، وقال في سورة لقمان: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهَ»۲ لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطرّهم إلى إذعانه، وقوله تعالى: «قُلِ الحَمْدُ للّهِ»۳ أي على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم، والذي في سورة لقمان: «بَلْ أَكْثَرُهُم لا يَعلَمُونَ»۴ أي لا يعلمون أنّ ذلك القول منهم يلزمهم، فقوله: «بل أكثرهم لا يعقلون» نقل بالمعنى إشارةً إلى ما مرّ من استلزام العقل الكامل العلم، فانتفاء العلم ـ الذي هو اللازم ـ مستلزم لانتفاء العقل الذي هو الملزوم، وقوله عليه السلام : (وقال) أي في سورة العنكبوت: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم»۵ الآية، وتفسيره يظهر ممّا مرّ.
وأمّا دليل الثاني، فهو أنّ اللّه تعالى مدح القليل، فالمراد بالقلّة في قوله عليه السلام : (ثمّ مدح القلّة) القليل، ولمّا كان ما هو ذمّ للكثرة بحسب المنطوق مدحا ۶ للقلّة بحسب المفهوم وبالعكس، فللإشارة إلى هذا وسطَ ما هو منطوقه مدح القلّة فيما هو منطوقه ذمّ الكثرة.
وقوله عليه السلام : (فقال) أي في سورة سبأ: «وَقَليلٌ مِنْ عِباديَ الشَكُور»۷ وهو المتوفّر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته، ومع ذلك لا يوفي حقّه؛ لأنّ توفيقه للشكر نعمة تستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية؛ ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر.

1.الأنعام (۶): ۱۴۴.

2.لقمان (۳۱): ۲۵.

3.تتمّة الآية السابقة.

4.العنكبوت (۲۹): ۶۱.

5.في النسخة: «مدح».

6.سبأ (۳۴): ۱۳.


الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
62

۰.تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ » وقال : « وَ تَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَ أَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَـبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ » .

بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا، بل لقذف اللّه تعالى الرعب في قلوبهم «تَحْسَبَهُم جميعا»۱ أي مجتمعين متّفقين « «وقلوبهم شتّى»۲ » أي متفرّقة لا يتّبع بعضهم رأي بعض؛ لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم، «وذلك بأنّهم قومٌ لا يَعقِلُونَ»۳ ما فيه صلاحهم من اتّفاقهم واتّباعهم لرئيس عاقل مطاع يجتمع به الكلمة، ويرتفع به الشتات، ومن المجرّب أنّ السفيه المطاع أنظم للتمدّن من عاقل لا يطاع، بل هم مُعجَبون برأي أنفسهم، وذلك يوجب الشتات، ويخلّ بنظم التمدّن والتعيّش.
وقوله عليه السلام : (وقال) أي في سورة البقرة، وقوله تعالى: «وَتَنْسَونَ أَنْفُسَكُم»۴ أي تتركونها من البرّ كالمنسيّات «وأنتم»۵ يا بني إسرائيل «تَتلون الكتاب»۶ أي التوراة، وفيها بيان الحقّ، فأنتم تعلمون الحقّ، فلِمَ لا تعملون؟ «أفلا تعقلون»۷ أي ليس لكم عقل كامل؛ لترككم الثواب الباقي؛ لأجل الحطام الفاني، والاستفهام تقريري.
ولمّا يتوهّم هاهنا أنّه لمّا تبيّن من الآيات السابقة أنّ العقلاء ـ أي الكاملين منهم ـ يتّبعون الحقّ، فإذا ذهب أكثر الناس إلى مذهب، فيكون ذلك المذهب حقّا؛ لوجود العقلاء فيهم، ومن ذلك يلزم بطلان ما ذهب إليه الأقلّ كالفرقة الإماميّة مثلاً، فدفع عليه السلام هذا الوهم بقوله: «ثمّ ذمّ اللّه الكثرة» إلخ، والمراد بالكثرة الكثير؛ إطلاقا للمبدأ وإرادةً للمشتقّ. ۸
وحاصله أنّ وجود العقلاء الكاملين في أكثر الناس غير لازم حتّى يلزم حقّيّة مذهب الأكثر، وبطلان مذهب الأقلّ، بل أكثر الناس لا يعقلون، وقليلهم يعقلون.
أمّا دليل الأوّل، فهو أنّ اللّه تعالى ذمّ الأكثر فقال في سورة الأنعام خطابا إلى النبيّ عليه السلام :

1.تتمّة الآية السابقة.

2.البقرة (۲): ۴۴.

3.قارن مرآة العقول، ج ۱، ص ۴۹.

  • نام منبع :
    الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
    سایر پدیدآورندگان :
    الفاضلی، علی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 172405
صفحه از 739
پرینت  ارسال به