85
الکشف الوافي في شرح أصول الکافي

۰.ظلمانيّا ، فقال له : أدبِرْ فأدبَرَ ؛ ثمّ قال له : أقبِلْ فلم يُقْبِلْ ، فقالَ له : استكبرتَ ، فلَعَنَهُ ، ثمّ جعل العقل خسمةً وسبعينَ جُندا ، فلمّا رأى الجهلُ ما أكرَمَ اللّه به العقلَ وما أعطاهُ ، أضمَرَ له العداوةَ ، فقال الجهلُ : ياربِّ ، هذا خلقٌ مِثْلي خَلَقْتَه وكرَّمْتَه وقوَّيْتَه ، وأنا ضدُّه ولا قوّةَ لي به ، فأعْطِني من الجُنْد مِثْلَ ما أعطيتَه ، فقال : نعم ، فإن عصيتَ بعد ذلك أخرَجْتُك وجندَك من رحمتي ، .........

والاُجاج ـ بضمّ الهمزة ـ : المالح الشديد الملوحة المُرّ، أي من عالم المادّيّات الخسيسة البعيدة عن قرب جنابه تعالى.
وقوله: (ظلمانيا) أي خاليا عن نور معرفة صفاته وأفعاله وآثاره، متّصفا بظلمة الجهل بها، أو غير قابل للهداية، أو آلة لضلالة صاحبه.
وقوله عليه السلام : (فقال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال له: أقبل فلم يقبل) أي أدبر عن وجه اللّه تعالى، وعن الحقّ، فأدبر وصار كذا، وأقبل إلى وجهه تعالى، وإلى الحقّ فلم يقبل ولم يصر كذا؛ لعدم قابليّته لذلك؛ يعني جعله بحيث يقتضي بالذات جذب ما يلائم الطبيعة ودفع ما ينافرها، أو كما يقتضي إدراك المعاني الجزئيّة المادّيّة البعيدة عن المعارف الإلهيّة، وليس له قابليّة التوجّه إليه تعالى، وإلى الحقّ، ولن يصلح أن يكون مكلّفا، أو آلة لتكليف صاحبه.
ويحتمل أن يكون المراد بالإدبار الإدبار عن عالم الملكوت، وبعدم قبول الإقبال عدم إمكان كونه من هذا العالم، أي خلقه من عالم المقارنات للمادّة لا من عالم المفارقات حتّى يكون كالعقل مستكملاً بوساطة البدن بالمعارف الإلهيّة والعلوم الدينيّة، وبالإقدام بمصالح نشأتيه وترك ما يضرّه فيهما باقيا بعد خرابه، راجعا بعينه إلى جنابه تعالى جدّه
وقوله عليه السلام (فقال له: استكبرت فلعنه) أي جعله آلة لاستكبار من تبعه، فلعن تابعه بذلك الاستكبار الناشئ عن اتّباعه.
وقوله عليه السلام : (خمسة وسبعون جندا) أي أعوانا وأنصارا، لا يقال لواحد منها ولا اثنين: جند.
وقوله: (هذا خلق مثلي) أي إنّه مخلوقك، كما أنّي مخلوقك.
وقوله تعالى: (فإن عصيتَ بعد ذلك أخرجتُك وجندَك من الرحمة) أي جعله بحيث لو


الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
84

۰.فقال له : أدبِرْ فأدبَرَ ؛ ثمّ قال له : أقبِلْ فأقبَلَ ؛ فقال اللّه تبارك وتعالى : خلقتُكَ خلْقا عظيما ، وكرّمتُكَ على جميع خلقي» . قال : «ثمّ خلَق الجهلَ من البحر الأُجاج .........

وهو العقل بالمعنى الأوّل الذي هو الجوهر المجرّد عن المادّة في ذاته وفعله، ويعبّر عنه بلسان الشرع بالملك، ووجه التعبير ۱ عنه بنوره أنّه سبب وشرط لظهور الأشياء وصدورها عنه تعالى، كما أنّ ضوء الشمس ونوره مثلاً شرط لإبصار المبصرات، وظهورها عند الحسّ.
ويحتمل أن يكون المراد أنّه خلقه من عالم نوره، أي من عالم الملائكة والعقول المقدّسة، باعتبار تجرّده الذاتي وإدراك المعقولات واقتضاء الخيرات وإن كان مباينا لهم باعتبارات اُخر كالتعلّق بالبدن ۲ وغير ذلك.
ويحتمل أن يكون المراد أنّه خلقه من نور معرفته كنايةً من أنّه خلقه قابلاً لنيل معرفته، وللتميز بين الحقّ والباطل، أو خلقه من نور هدايته كنايةً من أنّه جعله قابلاً للهداية، أو جعله آلةً لهداية صاحبه يهدي اللّه به من يشاء، كما جعل الجهل آلة لضلالة صاحبه، ويضلّ به من يشاء.
وهذا الوجه الأخير بناء على أن يكون المراد بالعقل المعنى الثالثَ منه، أي صفه النفس من القوّة النطقيّة لا نفسها كما سيجيء، وبالجهل عدم تمكّن النفس من استعمالها كما ينبغي إمّا للعوائق الطبيعيّة، أو لغلبة أضدادها من الوهم وقوّتَي ۳ : الشهويّة والغضبيّة، وعلى هذا فإجراء الأوصاف السابقة على تلك القوّة على سبيل التوسّع باعتبار اتّصاف محلّها وملزومها بها.
وقوله عليه السلام : (فقال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال له: أقبل فأقبل) قد مضى شرحه مستوفى، وفي الحديث الأوّل عكس هذا الترتيب ولا ضير فيه، كما لا يخفى على المتأمّل.
وقوله تعالى: (وكرّمتك على جميع خلقي) أي جميع خلقي في هذا العالم.
وقوله عليه السلام : (ثمّ جعل الجهل من البحر الاُجاج) قد مرّ معنى الجهل آنفا.

1.يمكن أن تقرأ : «التغيير».

2.في النسخة: «بالبدل».

3.في النسخة: «القوّتي».

  • نام منبع :
    الکشف الوافي في شرح أصول الکافي
    سایر پدیدآورندگان :
    الفاضلی، علی
    تعداد جلد :
    1
    ناشر :
    دارالحدیث
    محل نشر :
    قم
    تاریخ انتشار :
    1388
    نوبت چاپ :
    الاولی
تعداد بازدید : 171818
صفحه از 739
پرینت  ارسال به