نهج البلاغه 1 - صفحه 19

فيما حاولوه من التحقيق أولا و الشرح ثانيا.و إنا لندرك أنّه لم يكن يسع أحدا من هؤلاء أن يصنع«للنهج»خيرا ممّا صنع،لأن جمهرة المحققين في أيامهم كانوا إذا وجدوا مخطوطة نشروها على حالها،و أضافوا إليها ما وقع إليهم من الحواشي و الشروح،لا يجشّمون أنفسهم عناء البحث عن النسخ المختلفة،و مقابلة بعضها ببعض،ضبطا للنصّ،و تصحيحا للأصل، و اختيارا للأدق الأكمل،و انسجاما مع أمانة العلم و منهجيّة التحقيق.
و إنّ علينا-مع ذلك-أن نكبر ما قدّمه الإمام محمّد عبده من خدمة جلىّ للفكر العربيّ الإسلامي يوم نشر«نهج البلاغة»و شرحه بإيجاز،مهما تكن الهنات التي أخذها عليه غيرنا أو نأخذها نحن اليوم عليه،فله يرتدّ الفضل في انتشار هذا الكتاب العظيم الذي بات لا يجهله أحد من الأدباء و المتأدبين.و حسب الشيخ محمّد عبده فخرا أن عشرات الطبعات التي نشرت شرقا و غربا ظلّت إلى عهد قريب تستند إلى النصّ الذي أثبته،و تكتفي بالشرح الذي اقتبسه و انتقاه‏۱.
على أن«نهج البلاغة»-لنفاسته-جدير بأكثر ممّا أتيح له حتّى اليوم من التحقيق و التدقيق.
و لقد طلع علينا منذ سنوات قلائل الأستاذ البحاثة المفضال محمّد أبو الفضل إبراهيم بطبعة علمية ممتازة لشرح ابن أبي الحديد في عشرين جزءا،رجع فيها إلى نسخ مخطوطة مصوّرة عن أصولها المحفوظة في مكتبة المتحف البريطاني،و مكتبة الفاتيكان،و المكتبة الظاهرية،و بعض المكتبات الأخرى العامّة و الخاصّة۲،و لم تكن تلك المخطوطات المختلفة كلها كاملة،و لكنها بمجموعها كانت كافية لتقديم أفضل صورة ممكنة«للنهج»متنا و شرحا.
و إفاضتنا في الثناء على هذه الطبعة الأخيرة لا ينبغي أن تحول دون تقريرنا للحقيقة التالية:
و هي أن الغرض الذي رمى إليه الأستاذ محمّد أبو الفضل إبراهيم هو تحقيق شرح«النهج» و ليس تحقيق«النهج»ذاته.أما الغاية التي نتصدى لها،و التي يؤنس جميع الأدباء حاجة إليها،فهي ضبط مجموعة النصوص التي اختارها الشريف الرضي من كلام الإمام ضبطا

1.نذكر على سبيل المثال طبعات الشيخ محيي الدين عبد الحميد في القاهرة،و طبعة الأستاذ عبد العزيز سيد الأهل في بيروت.و نضرب هاهنا صفحا عن الطبعات التجارية التي تصدى بها قوم لما لم يكونوا له أهلا.

2.انظر ما ذكره محمّد أبو الفضل إبراهيم عن هذه المخطوطات في مقدّمته(الجزء الأول ابتداء من الصفحة العشرين)،و أضف إلى ذلك ما نبه إليه في أجزاء الكتاب المختلفة من أصول جديدة وقعت إليه أثناء الطبع الذي استغرق نحو خمس سنوات(من سنة ۱۹۵۹ حتّى ۱۹۶۴).و راجع بصورة خاصّة الصفحات الأولى من الأجزاء التالية(الثاني ،الرابع و الخامس و السابع و الحادي عشر و الخامس عشر و السادس عشر و الثامن عشر و التاسع عشر و العشرين).

صفحه از 853