نهج البلاغه 1 - صفحه 8

و لما غربت شمس النبوّة،و لحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بالرفيق الأعلى،طمع في خلافته كثيرون من المهاجرين و الأنصار،و بدا للناس يومذاك أن بني هاشم كانوا يريدون الخلافة فيهم،و يرون عليا أحق الصحابة بها،لمكانته العظمى من الرسول الكريم،و سعة علمه،و مواقفه الخالدة في نصرة الإسلام،فلا غرو إذا أقبل العباس عم النبيّ على ابن أخيه عليّ يقول له:«ابسط يدك و لنبايعك»،لكن عليا كرّم اللّه وجهه تباطأ في قبول هذه البيعة،و ظل متشاغلا بدفن الرسول العظيم.و انطفأت الفتنة،و بويع أبو بكر رضي اللّه عنه بما يشبه الإجماع،و إذا بعليّ كرّم اللّه وجهه يبايعه أيضا بعد فترة يسيرة كان عاتبا فيها عليه، إذ كان يرى لنفسه من الحق بالخلافة أكثر ممّا كان لأبي بكر.
و لم يكن شي‏ء أبغض إلى قلب عليّ من الخلاف يدبّ بين المسلمين،فها هو ذا-رغم ما كان يرى من حقه بالخلافة-يبايع أيضا عمر رضي اللّه عنه،و يزوّجه ابنته أم كلثوم؛ و يبادله عمر من معاني التكريم و الإجلال أسماها،فيستخلفه على المدينة إذا غاب عنها، و يستشيره في الخطوب،و يستفتيه في قضايا التشريع قائلا فيه:«لو لا عليّ لهلك عمر»!
و لقد رفض عمر أن يعهد بالخلافة إلى ابنه عبد اللّه من بعده،و ظلّ في مشكلة الخلافة غير مستقر على رأي،حتى إذا طعنه أبو لؤلؤة المجوسي في أواخر سنة 23 هـ آثر أن يحصر الأمر في ستة من كبار أصحاب النبيّ ليتشاوروا و يختاروا واحدا منهم فيبايعه المسلمون.و أولئك الستة هم:عليّ بن أبي طالب سيد بني هاشم،و عثمان بن عفان شيخ بني أميّة،و طلحة بن عبيد اللّه كبير بني تميم،و الزبير بن العوّام زعيم بني أسد،و سعد بن أبي وقّاص و عبد الرحمن ابن عوف رأسا بني زهرة.
و ربما مال أكثرهم-منذ بدء الشورى-إلى تولية عثمان،لأن عبد الرحمن بن عوف كان صهره،و سعدا من أقربائه،فضلا عن سابقته في الإسلام،و إصهاره للنبي صلّى اللّه عليه و سلم مرتين في ابنتيه رقية و أم كلثوم.و بدا على رجال الشورى أنّ كلا منهم ودّ لو يتخفف من تلك المسئولية الضخمة،إذ خلع كلّ نفسه و عهد إلى الآخر باختيار الخليفة، حتى إذا انتهى الأمر إلى عبد الرحمن أعلن في المحرّم سنة 24 هـ تولية عثمان.و امتعض بنو هاشم لتحامل القوم عليهم و رغبتهم في إقصائهم،و لكن عليا الذي يكره الخلاف بين المسلمين آثر هذه المرة أيضا أن يطفئ الفتنة،و يحقن الدماء،فبايع عثمان كما بايع من قبل أبا بكر و عمر، و إن في العين قذى،و في الحلق شجا.

صفحه از 853