وهو ما فوق التجرّد ، وهو الجهة الإلهيّة التي بها قوام الأشياء ، وبها شمّت الأشياء رائحة الوجود والشيئيّة ، ولهذا اُطلق عليه غيب الغيوب ؛ لكونه مخزونا مكنونا بها.
يرشد إلى ما ذكرنا ما رواه الكافي بإسناده عن إبراهيم بن عمر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال : «إنّ اللّه تعالى خلق اسما بالحروف غير متصوّت ، وباللفظ غير منطق ، وبالشخص غير مجسّد ، وبالتشبيه غير موصوف ، وباللون غير مصنوع ، منفيّ عنه الأقطار ، ومبعّد عنه الحدود ، محجوب عنه حسّ كلّ متوهّم ، مستتر غير مستّر ، فجعله كلمة تامّة على أربعة أجزاء معا ، ليس منها واحد قبل الآخر ، فأظهر منها ثلاثة لفاقة الخلق إليها ، وحجب واحدا منها ، وهو الاسم المكنون المخزون ؛ فهذه الأسماء التي ظهرت» الحديث . ۱
وفي توحيد الصدوق بدل «فهذه» بالفاء «بهذه» ۲ بالباء الموحّدة ، ولعلّه أظهر .
وحيث كان الاسم في الحقيقة ما دلّ على ذات معيّنة ـ سواء كان لفظا أو ذاتا ـ جاز أن يُراد بالاسم هنا هو النور الأحمدي والروح المحمّدي المخلوق أوّلاً .
والأجزاء الأربعة هي : الغيوب الثلاثة وعالم الحسّ ، ومعيّنها باعتبار لزوم كلّ منها الآخر وتوقّفه عليه في تمام الكلمة ، والجزء المكنون هو الغيب اللاهوتي ، وجزئيّة الأربعة باعتبار تطوّرات ذلك الاسم وتنزّلاته وظهوراته الثلاثة ؛ فغيب الغيب مظهر لغيب الغيوب ، ومظهره الغيب ، ومظهر الغيب عالم الحسّ.
وإلى ذلك يشير ما ورد عنهم عليهم السلام : أنّه يكتب على عضد الإمام عليه السلام في بطن اُمّه «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ»۳ الآية ، وكونه جسما في بطن اُمّه هو آخر تنزّلات ذلك النور وتطوّراته . وقد ذكرنا هذه الآية والأخبار الواردة فيها في كتابنا المذكور .
وهنا فوائدُ ثلاث بها يختم شرح الدعاء :
الاُولى : اعلم أنّه قد أحاط بهذا الدعاء حرفان هما أوّل الحروف ، تعيّن ثانيها عن
1.الكافي ، ج ۱ ، ص ۱۱۲ ، باب حدوث الأسماء ، ح ۱ ؛ بحارالأنوار ، ج ۴ ، ص ۱۶۶ ، ح ۸ .
2.التوحيد ، ص ۱۸۹ ، ح ۳.
3.انظر بصائر الدرجات ، ص ۴۵۱ ، الباب ۷ ، ح ۱ ؛ الكافي ، ج ۱ ، ص ۳۸۷ ، باب مواليد الأئمّة ، ح۴ ؛ بحارالأنوار ، ج ۲۵ ، ص ۳۶ ، ح ۲. والآية في سورة الأنعام (۶) : ۱۱۵ .