نهج البلاغه 1 - صفحه 13

لسلطتها الرهيبة على الزرّاع في زرعهم،فلو أجلبوا بجمعهم لما استطاعوا لها ذبّا و لا دفعا مع أن حجمها لا يزيد على إصبع مستدقّة!
و يختم الإمام كلامه هذا بالتذكير بعظمة الخالق الذي يسجد له من في السماوات و الأرض طوعا و كرها،و يعنو له خدّا و وجها،و يلقي إليه بالطاعة سلما و ضعفا.
و كل هذا ليس بشي‏ء إذا ما قيس بوصف الإمام للطاوس،فما ترك شيئا من شياته إلا وصفه وصفا دقيقا جميلا:فهو يمشي مختالا كأنّه يزهو بما منحته الطبيعة من جمال،و قوائمه حمش كقوائم الديكة الخلاسيّة،و ألوانه الزاهية المتنوعة تشبه ألوان الربيع أو موشيّ الحلل «فإن شبهته بما أنبتت الأرض قلت:جنى جني من زهرة كل ربيع،و إن ضاهيته بالملابس فهو كموشيّ الحلل أو مونق عصب اليمن،و إن شاكلته بالحليّ فهو كفصوص ذات ألوان قد نطّقت باللّجين المكلّل»!
و إن الإمام ليعجب لشي‏ء في هذا الحيوان لا بدّ أن يثير العجب حقا:فكلما سقطت منه ريشة نبتت مكانها ريشة جديدة تحمل الألوان نفسها و التقاسيم ذاتها.
و يتطرّق الإمام إلى علاقة الطاوس مع أنثاه،و يوضح كيف يدرج إليها مختالا،و ينفي زعم من قال:إن الطاوس يلقح أنثاه بدمعة تسفحها مدامعه،و يثبت أن الملاقحة عند هذا الطائر لا تختلف عن الملاقحة لدى الفحول المغتلمة للضراب.
و ينتهي وصف الطاوس أيضا بالتذكير بعظمة الخالق و حكمته في خلقه،كأن الوصف -مهما يبد مستقلا قائما بنفسه-إنّما يخضع للغرض الديني،و للعبرة التي لا بدّ أن ينبّه عليّ إليها الأسماع و القلوب.
و من المتوقع-بعد هذا كله،بل قبل هذا كله-أن يدور معظم خطب الإمام حول التعليم و الإرشاد،إذ كان ربيب الرسول،فنهل العلم من بيت النبوّة العظيم.
و كان لزاما عليه فوق هذا-بحكم مكانة الخلافة،و ما يفترض في الخليفة من توجيه و وعظ و إرشاد-أن يخطب الناس كلّ جمعة،و يعرّفهم رأي الإسلام الصحيح في الفتن و الملمّات و الأحداث.و من هنا كثرت خطبه في التحذير من الفتن،و الدعوة إلى الزهد في‏

صفحه از 853