نهج البلاغه 1 - صفحه 14

الحياة الدنيا،و التذكير بالموت هادم اللذات و مفرّق الجماعات،و وصف أهوال القيامة و البعث و النشور،و الترغيب في الجنة و الترهيب من النار.
إن الإمام ليحذّر من الفتن التي تدوس بأخفافها،و تطأ بأظلافها،و تقوم على سنابكها، و إنّه ليدعو الناس إلى شقّ أمواج هذه الفتن بسفن النجاة،و التعريج عن طريق المنافرة، و وضع تيجان المفاخرة.
أما الدنيا فغرّارة ضرارة،حائلة زائلة،نافدة بائدة،أكالة غوّالة،لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا إلاّ أرهقته من نوائبها تعبا،و لا يمسي منها في جناح أمن إلاّ أصبح على قوادم خوف.إنها غرور حائل،وضوء آفل،و ظل زائل،و سناء مائل.فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة؟و ما يصنع بالمال من عمّا قليل يسلبه،و يبقى عليه تبعته و حسابه؟
فلينظر الناس إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها،الصادفين عنها،و لا يغرّنهم كثرة ما يعجبهم فيها لقلة ما يصحبهم منها.و ليذكروا دائما أن الدهر موتر قوسه،لا تخطئ سهامه،و لا تؤسى جراحه،يرمي الحيّ بالموت،و الصحيح بالسقم،و الناجي بالعطب.
و ليمنع الناس من اللعب ذكر الموت،فهذا عائد يعود،و آخر بنفسه يجود،و لتصيرنّ الأجساد شحبة بعد بضّتها،و العظام نخرة بعد قوّتها،و الأرواح مرتهنة بثقل أعبائها، موقنة بغيب أنبائها.
و لقد كان للناس في رسول اللّه أسوة حسنة:عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها،و علم أن اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه،و حقّر شيئا فحقّره.و للناس في عليّ أسوة حسنة أيضا:
رقّع مدرعته حتّى استحيا من راقعها.و لما سأله سائل:ألا تنبذها عنك؟أجابه:«اعزب عني،فعند الصباح يحمد القوم السّرى»!
و إنّ عليّا كرّم اللّه وجهه لا يرى كالنار نام هاربها،و لا كالجنة نام طالبها،«حتى إذا انصرف المشيّع،و رجع المتفجّع،أقعد في حفرته نجيّا لبهتة السؤال و عثرة الامتحان.و أعظم ما هنالك نزول الحميم،و تصلية الجحيم،و فورات السعير،و سورات الزفير»!
و من أطرف ما جادت به قريحة الإمام خطبه في بدء الخلق،و أوضحها في هذا الباب‏

صفحه از 853